والأحاديث القتال على كونهم كفارًا، قال القرافي -رحمه الله-: (ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك ... وترتيب الحكم على الوصف يدل على عِلِّيَة ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم عِلِّية غيره) [1] .
وإذن فالعلة التي يدور معها وجوب الجهاد وعدمه ليست هي قوة المسلمين وضعفهم، حتى يطلق القول بأن الكف والصفح واجب حال الضعف، وإنما العلة متعلقة بوجود الكفر وبكون الدين ليس كله لله، فيجب القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
كما إن القول بأن ضعف المسلمين هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في مكة ما هو إلا اجتهاد وليس نصًا نبويًا، ولذلك فإنه يمكن إضافة حِكَمٍ وأسبابٍ أخرى لهذا الأمر بحسب ما يفتح الله على بعض عباده، وقد أشار ابن كثير إلى أن ضعف المسلمين لم يكن هو السبب الوحيد في عدم مشروعية الجهاد في مكة وذلك حيث يقول: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار) [2] .
كما أشار رحمه الله إلى سبب آخر في تفسير قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} الجاثية: 14 حيث قال: (أي ليصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم، وكان هذا في ابتداء الإسلام أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد، هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة) [3] .
وقال أيضًا: (وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم ... فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه شرع الله جهاد الأعداء) [4] .
وللأستاذ سيد قطب -رحمه الله- كلام في هذه المسألة أضاف فيه إلى قضية الضعف
(1) - الذخيرة (3/ 387) .
(2) - تفسير القرآن العظيم: (1/ 526) .
(3) - المصدر السابق: (4/ 150) .
(4) - المصدر السابق: (3/ 226) .