ثالثًا: أن جهاد الطلب مارسه الصحابة من دون إذن النبي صلى الله عليه وسلم ولا بأمرٍ منه؛ كقتال وجهاد أبي بصير ومن معه من الصحابة ضد مشركي قريش .. ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، مما دل على جوازه، ولله الحمد.
رابعًا: لكن إذا أمر الإمام أو الأمير أحدًا، أو جماعة أو بلدًا بأن لا يتحركوا في جهاد طلب العدو، لمصلحة راجحة هو يعلمها .. يجب عليهم طاعته وتنفيذ أمره.
خامسًا: أما إذا أوقف الإمام الجهاد مطلقًا مع العدو المشرك، وألغاه من مهامه، ومنع الأمة منه .. لا يجوز للأمة طاعته في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل.
سادسًا: تحرير بلاد المسلمين المغتصبة في هذا الزمان من قبل أعداء الأمة - وما أكثرها - وكذلك الجهاد من أجل قيام الخلافة الراشدة وتنصيب إمام عام يحكم - بما أنزل الله - جميع ربوع بلاد المسلمين في الأرض .. ورفع الظلم الواسع والواقع من قبل الطواغيت بالمسلمين في بلادهم .. هذا النوع من الجهاد يُعتبر كله من قبيل جهاد الدفع .. وإلى أن تنتهي الأمة من هذه المرحلة الشاقة والهامة، يمكن حينها أن نثير الجدال حول هذه المسألة من جديد .. لذا لا توجد الآن مشكلة حقيقية مع أصحاب هذه المقولة.
سابعًا: الفرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب؛ أن جهاد الدفع فرض يتعين القيام به على جميع المسلمين بحسب الاستطاعة، وبحسب قربهم من موقع الاعتداء، على تفصيل مذكور في كتب الفقه.
بينما جهاد الطلب فهو فرض كفائي؛ إذا قامت به مجموعة من الأمة سقط الفرض عن بقية الأمة، والله تعالى أعلم.
? فإن كان صاحب هذه المقولة - وهي وجوب طلب العلم قبل الجهاد - يعني بذلك فرض العين من العلم الشرعي، فنقول هذا متيسر في أقل زمن ولا يلزم معرفته بأدلته الشرعية التفصيلية على الكافة، لما نقله ابن حجر عن القرطبي قال: (هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبله من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصول الفطرة، وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة) أ هـ [1] . وإن كان صاحب هذه المقولة يعني بذلك فروض الكفاية من العلوم الشرعية وأنه لا يجاهد المسلم حتى يحصل قدرا معينا من العلوم الشرعية، فهذا قد أخطأ من وجهين:
(1) - فتح الباري 13/ 352