فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 79

للمسلمين مصلحة ولو كانت هذه المصلحة مجرد تجرئة قلوب أهل الإيمان. أما في جهاد الدفع فلا يوجد مثل هذا الشرط كما مر ذكره.

ولا شك أنه قد تختلف الآراء في تقدير مدى النكاية أو المصلحة التي يمكن أن يحدثها الإقدام على عمل ما من أعمال الجهاد، ولابد حينئذ من الاجتهاد في تقدير ذلك الأمر، والواجب على الفئة المجاهدة أن تتقي الله فلا تأخذ بتقدير متهور ولا جبان، بل توكل أمرها لأهل العلم الذين يحسنون قياس الأمور، وينبغي عليها أن تراجع دومًا أهل العلم العاملين.

وعلى ذلك فإنه متى ما غلب على ظن طائفة من أهل الحق بعد بذل الجهد واستشارة أهل العلم والخبرة أنها تملك من القدرة ما تستطيع به إحداث نكاية في العدو، أو تقديم مصلحة للمسلمين، فلها مباشرة القتال حينئذ، وليس لغيرهم ممن اعتذر بالعجز أن ينكر عليهم بدعوى أنهم ليسوا من أهل القدرة، بل الواجب عليه أن يفرح بذلك ويود لو كان هو أيضًا من القائمين بأمر الجهاد.

? قال ابن أبي العز: (وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، ولكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائمًا به) [1] .

وذلك أن الله عز وجل قد عذر غير القادرين على الجهاد، ولكنه اشترط لذلك أن يكونوا من الناصحين لله ورسوله لا المثبطين اللائمين للمجاهدين فقال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين إذا لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} .التوبة:91.

? قال الحافظ ابن كثير: (فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم، ولهذا قال: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} ... ) [2] .

? الشبهة الخامسة: يجب أن نكف أيدينا لضعف المسلمين كما في العهد المكي.

? هل القول بأن ضعف المسلمين كان هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في مكة، هل هو من قبيل العلة التي تدور معها مشروعية الجهاد وجودًا وعدمًا؟ أم هو من قبيل حكمة النسخ والتدرج في الأحكام؟

ولكي تتضح الأمور أكثر نعرج على مسألة تشريع الجهاد في العهد المكي والمدني، وكيف نسخت آية السيف ماسبقها. فقد نص أهل العلم من السلف ومن بعدهم على أن

(1) - شرح العقيدة الطحاوية: (ص:16) .

(2) - تفسير القرآن العظيم: (2/ 382) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت