كما تقدم مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون) [1] .
? وقال ابن قدامة: (وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر فالأولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب ... وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضًا في الشهادة ويجوز أن يغلبوا أيضًا) [2] .
ولو كانت الشوكة والقدرة شرطًا في صحة الجهاد لما أجاز ابن قدامة لهم الثبات مع كون الغالب على ظنهم أنهم يهلكون في الإقامة وينجون في الانصراف.
? وقال القرطبي في تفسيره: (قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [3] .
? وقال السرخسي: (لا بأس بالانهزام إذا أتى المسلمين من العدو ما لا يطيقونه [4] ، ولا بأس بالصبر أيضًا بخلاف ما يقوله بعض الناس إنه إلقاء باليد إلى التهلكة بل في هذا تحقيق بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فقد فعله غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم منهم عاصم بن ثابت حمي الدبر وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا أنه لا بأس به والله الموفق) [5] .
وهذا كله في جهاد الطلب، حيث يتبين أنه لا يشترط في صحة الجهاد أن يغلب على ظن الفئة المجاهدة أنها تملك من الشوكة ما يحقق لها الظفر على الأعداء، بل يكفي أن تتمكن من إحداث نكاية في العدو ولو كان ذلك بمجرد بث الرعب في قلوبهم، أو أن تحقق
(1) - مشارع الأشواق: (ص: 539) .
(2) - المغني: (10/ 544) .
(3) - الجامع لأحكام القرآن (2/ 364) .
(4) - في المطبوعة: (ما لا يطيقهم) .
(5) - شرح السير الكبير: (1/ 125) .