فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 79

الوجه الأول: أنه جعل فرض الكفاية فرض عين.

وهذا يفضي إلى تعطيل مصالح المسلمين بقعودهم جميعا لطلب العلم، وقد نهى الله تعالى عن هذا بقوله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [1] ، وكما ترى فقد قسم الله تعالى الناس في هذه الآية إلى متفقهة وغير متفقهة تماما كما في قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [2] ، والعالم المتفقه مأمور بتعليم الناس إما بالجواب عن أسئلتهم إذا سألوه، وإما أن يبدأهم هو ببيان الحق إذا لم يسألوه كما قال تعالى {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [3] ، وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [4] ، كذلك فإن العامي غير المتفقه مأمور بسؤال العالم عما يجهله من أمر دينه كما في آية النحل، فإذا رآه العالمُ يعمل على جهل ولا يسأل بادره العالمُ بالنصيحة والتعليم لقوله تعالى {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} وقوله تعالى {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} .

الوجه الثاني: أنه جعل شرطا لوجوب الجهاد ما ليس بشرط.

فإن هذا الذي أوجب على الناس طلب العلم قبل أن يجاهدوا، لنا أن نسأله ما دليل قولك من الكتاب أو من السنة؟ ونحن نجيب فنقول لا دليل على ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [5] ، فقوله هذا إحداث في الدين مردود غير مقبول.

ثم لنا كذلك أن نسأله ما دليل قولك هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو من سيرة السلف الصالح مِنَ الصحابة فَمَنْ بعدهم، هل كانوا يوجبون طلب العلم على كل مسلم قبل أن يجاهد؟ وهل كانوا يختبرون الجنود في ذلك؟.

كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سنة ست، ألف وأربعمائة صحابي، وفي غزوة الفتح سنة ثمان، عشرة آلاف صحابي، وبعد أقل من شهر واحد من فتح مكة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين ومعه إثنا عشر ألفا، عشرة آلاف دخلوا معه مكة وألفان من مسلمة الفتح فمتى تعلم هؤلاء وهم قد خرجوا إلى غزوة حنين ولم يمض على إسلامهم شهر؟ وهل قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إنكم حديثوا الإسلام فلا تغزوا معي حتى تتعلموا؟ بل سمح لهم صلى الله عليه وسلم بالجهاد معه وكانوا مع ذلك يتعلمون ويرشدهم إلى ما يلزمهم، كما ذكر أبو واقد الليثي

(1) - سورة التوبة، الآية: 122

(2) - سورة النحل، الآية: 43 وسورة الأنبياء، الآية: 7

(3) - سورة التوبة، الآية: 122

(4) - سورة الأنعام، الآية: 151

(5) - متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت