ويَعْتَقِدُونَ بأنَّ حُرِّيَّةَ البَدَنِِ أو حُرِّيَّةَ الأُمّةِ لا تَكادَانِ تَستَحقانِ الجِهادَ في مِثْلِ هذهِ الحَياةِ القصِيرة!!. انتهى.
وهذا كلامٌ يَحْتاجُ مِن الوُقُوفِ عِنْدَهُ ما لا تتّسِعُ لهُ هذه المُسامَرة.
وَلَعَمْرُ اللهِ إنهُ لأَمْرٌ تُعَضُّ مِنْهُ أنامِلُ الكفِّ!؛ وإلا فَمَنْ صَدَقَ فِي طَلَبِ شَيءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ؛ ومَلكَ جَوانِحَهُ وجَوارِحَهُ؛ وسَعَى إليه جَهْدَه؛ ولَمْ يَتْركْ سَبيلًا يُؤدِّي إلِيْهِ إلا وسَلكَه؛ وإنْ سُدَّتْ أمامَهُ طريقٌ طلَبَ غَيْرَهُ؛ ولا يَمْنَعُهُ عَجْزُهُ عنْ شَيءٍ أنْ يَفْعَلَ ما يَقْدِرُ عَليه؛ فإنْ حالَ بَيْنَهُ وبَينَ ما يُريدُ حائِلٌ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ رَأَيْتَهُ سَاعِيًا في إزالَتِهِ؛ مُتَحِفِّزًا يتَربَّصُ حتى يُجاوزَه!.
فَمَنْ صَدَقَ فِي طَلِبِهِ فِلَسْطِينَ وكَرامَةَ المُسلِمين؛ فليَكُنْ سَعْيُهُ عَلى هذه الشاكِلة؛ وأُمَّتُنا بِحَمْدِ اللهِ وَلُودٌ وفَيرَةُ الخَيرِ شَبَّها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ بالغَيثِ؛ وَوَضَّحَ لَها طَرِيقًا للخَلاصِ مُخْتَصَرًا!؛ وجَمَعَ لها بَيْنَ الهَيبَةِ والكَرامَةِ والجاهِ والمالِ!؛ وعَلَّمَها الاعْتِمادَ على النَّفْسِ!؛ بِقَوْله: (وجُعِلَ رِزْقِي تحتَ ظِلِّ رُمْحي) !؛ والله يَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مَسْتَقِيم.
إنَّ ما يُواجِهُنا مِنَ الأخْطارِ بِلُغَةِ العِلْمِ يَصْلُحُ أنْ نَجِيبَ عَنْهُ بِلُغَةِ العِلْمِ ومُصْطَلَحاتِ العِلْم؛ سَلَّمْنا!، فإنْ تَجَاوَزَ الخَطَرُ إلى لُغَةِ الأنيَابِ وشِرْعَةِ الغابِ والتي تُقُومُ على أَساسِ اعْتِبارِ المَنْفَعَةِ الخاصَّةِ دُونَ اعْتِبارٍ للدينِ والقيَمِ والأخلاقِ فَحِينَئِذٍ لا تَصْلُحُ اللغَةُ الأُولَى!، خَاصَّةً إذا عَلِمْتَ أنَّ (نَزْعَةَ القِتالِ والصراعِ فِطْرَةٌ بَشَريَّةٌ، وأنّ صُوَرَ القِتالِ هِيَ التي تَتَغَيَّر) ؛ كما قالَ العالِمُ الأمْريكِيُّ (كريسي مُورِيسُون) !؛ وهَذا كلامٌ صَحِيحٌ لا غُبارَ عَلَيه؛ مَوْجُودٌ فِي البَشَريَّةِ مِنْ عَهْدِ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيْهِ السلام، وما دَامَ عُدُّوُّنا بَشَرًا فَلَنْ يَتَخَلَّى عَنْ هذهِ النزْعَةِ أبَدًا؛ حتّى ولَو تَخَلَّيْنا لهُ نَحنُ عَنْ بَشَرِيَّتِنا لا عَنِ الجِهادِ والقِتالِ فَحَسْب!!، ولذا جاءَ الشرْعُ مُوَافِقًا لِهذا؛ وجَعَلَ مِنْ هذهِ النزْعَةِ عِبادَةً للهِ تَعالَى؛ تَرْجِعُ إلَى أُصولٍ وقَواعِدَ وحُدُودٍ لا تَعْرِفُ البَشَرِيَّةُ لها مثِيلا!، وشَانُهُ هُنا كَشَانِهِ معَ النَّزَعَاتِ البَشَرِيَّةِ الأُخْرَى - كُحُبِّ التَّمَلُّكِ مثَلًا - لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْها بِمَرَّةٍ ولمْ يُطْلِقْ لَها العِنانَ لأَنَّ فِي كلا الطَّرَفَيْنِ فَسادًا وإفْسادًا؛ وخَيْرُ الأمُورِ ما كانَ بَيْنَ ذلكَ قَوَاما، وَلأَّنَّ الإسلامِ يَجْرِي مَعَ سُنَنِ الحياةِ ولا يُصادِمُها، و لِهذا أيْضًا كانَتْ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ التي تُبَيِّنُ الجِهادَ وأحْكامَهُ وآدَابَهُ نَحْوَ رُبِعِ القُرْآنِ أو أكثَر!.
بُنَيَّاتُ الطّريق: (هيَ الطرقُ الصغار التي تتشعَّبُ مِن الطريقِ الأصْلي) .
ومِنَ القَصَصِ التي يَنْبَغِي أنْ تُذْكَرَ في هذا المقَام أنَّ مُؤَسِّسَ اتحادِ العُمالِ اليَهُودِي على أَرْضِ فِلَسْطِينَ فِي سَنَةِ (1921) ؛ والذي دَخَلَ فِلَسْطِينَ لأولِ مَرةْ إلى يافا في سنَةِ (1906) وبَقِيَ هُناكَ حتى نَفَتْهُ الدولَةُ العُثْمانِيَّةُ في سَنَةِ (1915) ؛ وأوَّلَ رَئيِسٍ وُزَراءٍ للعَدُوِّ الصُّهْيُونِيِّ (بِنْ غُورْيُون) كانَ قدْ أَلْقَى خِطابًا عام (1971) تَحَدَّثَ فِيهِ عَنِ المُرادِ بِكَلِمَةِ (اليَهُودِي) ؟!؛ ثُمَّ ذكَرَ جَوابًا رَدَّهُ إلى أربَعمائِةِ عامٍ قَبْلَهُ؛ يُعَرِّفُ اليَهُودِيَّ بِأنَّهُ الإنسانُ الذي يَلْتَزِمُ العَمَلَ بِ (630) وصَيَّةً فِي التوراة، وقالَ لِمَنْ يُخاطِبُهم: وأنا أَشكُّ في كَوْنِكم تَعْمَلُونَ بمائةِ وصيَّةٍ مِنها!؛ ولا تَسْتَطِيعُونَ القَوْلَ بأنَّكمْ يَهودٌ حتى تَعْمَلُوا بِها!!.