فلا أحسب أن هناك قضية من قضايا العصر قد حظيت بالاهتمام والتركيز والاعتناء الذي نالته القضية الفلسطينية، وعلى جميع مستوياتها السياسية والعسكرية والإعلامية وغيرها. بل لن نكون مبالغين إن قلنا إنها محور قضايا العصر التي تدور حولها بقية القضايا، فهي التي لا توجد دولة من الدول العربية أو الغربية -صغرت أم كبرت؛ قربت أم بعدت- إلا وسعت لأن يكون لها ارتباط ما وعلى أي شكل بها، وأن تتخذ لها نهجًا يعبر عن موقفها تجاهها، وما من محفل من المحافل الإقليمية أو الدولية إلا وكان ملف هذه القضية على رأس اهتماماتها وأول أولوياتها -إما زعمًا أو حقيقةً- يخفت ذلك حينًا وينشط أحيانًا إلا أنه لا يُلقى في أرشيف النسيان ويطوى طيًا تامًا.
فلما كانت الأطراف التي تتصل بهذه القضية بهذا التعدد والتنوع، من حيث الانتماءات، والبواعث، والسياسات، والخلفيات، والممارسات، والمواقف كان حتميًا أن يجتهد كلٌ منها في تجلية نوعية العلاقة التي تشده إليها، ومن ذلك إثبات أحقيته بها، وسيستميت من أجل برهنة شرعيته فيها، وسيكون مستعدًا لتحقيق ذلك بكل الوسائل مستغلًا جميع الإمكانات التي تترجم عمليًا ما يذهب إليه، وبسبب هذه النزعات التعددية في المنطلقات أولًا، ثم كيفية التعامل ثانيًا، نتج كمٌ هائل من التفريعات والتحريفات والملابسات التي لها ارتباط مباشر بأصل القضية ولا يقف تولدها عند حد.
ولذا فمن ضروب العجب أن مسألة فلسطين مع بساطتها من جهة التصور الإسلامي والتوصيف الشرعي حيث يمكن صياغتها في عبارة واضحة تتداولها كل المراجع الإسلامية والتي تتلخص في: [أرض إسلامية دهمها الكفار فيجب طردهم منها] [1] -ومثل هذا الموطن مما اتفق العلماء على تعين (الجهاد) فيه، ورغم ذلك كله- أصبحت في أذهان الكثير من المسلمين قضية معقدة الفهم، متشعبة المسالك، عسيرة الإدراك، ذات تداخلات تضل في محاولة استيعابها الأفهام وتحار للإحاطة بمضامينها العقول، ومن ثم تبلدت تجاهها المشاعر، وفترت الهمم، وضربت عنها صفحًا، وما ذلك إلا نتاج الدس الخفي ومكر الليل الذي يتولى غسيل الأذهان من خلال السيل الإعلامي الجارف الذي ينطلق عبر الوسائل المختلفة والتي تتخذ سياسة (اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس) فخَدَّت لهذه القضية أخاديد ونصبت سككًا لا يكاد الشيخ المفتي ولا السياسي المحلل، ولا الصحفي الكاتب، ولا الخطيب المفوه يخرج عنها أو ينجو من مجراها بل لا يخطر بباله أصلًا مخالفة المسلك الذي يسير عليه تجاهها ومصادمته
(1) في 2/ 11/1917 م وجه بلفور، بوصفه وزيرًا للخارجية البريطانية كتابًا إلى روتشيلد، رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني هذا نصه: (إن حكومة صاحبة الجلالة، تنظر بعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتبذل خير مساعيها لتسهيل تحقيق هذا الغرض، لكن لن نفعل أي شيء يمس الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر) وهو المعروف بوعد بلفور، وقد أُدخل هذا التصريح في صلب صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي دستور فلسطين، وكان أساس السياسة البريطانية التي ساعدت على قيام إسرائيل. (بتصرف يسير من الموسوعة العربية الشاملة للمعلومات) .
ولهذا فإن حكومات بريطانيا المتعاقبة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما جرى ويجري على أرض فلسطين منذ زرع بذرة بني صهيون الخبيثة على أرضها -بل وقبل ذلك- وإلى يومنا هذا، وهي شريكة شراكة تامة في سائر الجرائم التي تقترفها عصابات الإجرام اليهودية، فلولاها لما كان للكيان الصهيوني وجود، وبمباركتها وتحت رعايتها وبدعمها استمرت عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وتهجير الملايين وأسر الآلاف منهم، وتجريف قراهم، فعليها إذًا أن تدفع نفس الضريبة التي يدفعها اليهود في فلسطين ولا يبرئها أو يعفيها من ذلك تباعد الديار وتلون السياسات والمجاملات الباهتة التي تتذرع بها أحيانًا فالردء والمباشر في الحرب سواء، فكيف إذا كان هذا الردء يمد صاحبه مدًا لا ينقطع بالمال والرأي والسياسات وكل أوجه الدعم، فعلى عاصمة الضباب أن تحصد ما زرعته أيدي ساستها جزاء وفاقا.