فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 189

أما"تارديو"، فقد أرسل برقية يوم 9/فبراير من نيويورك جاء فيها أن وزير الداخلية الألماني قد استقبل وفدًا صهيونيًا ووعدهم بإقامة سلطة حكم ذاتي [ Autonomy] في فلسطين، وكان هدف برقية"تارديو"هو التعجيل بإصدار الحكومة الفرنسية تصريحا مواليا للصهيونية.

وبعد أيام من تصريح"بيشون"، أخبر"تارديو"عن فرحة يهود أمريكا بالتصريح الفرنسي، وعن شكر فرنسا الذي عبرت عنه مختلف افتتاحيات الجرائد اليهودية بأمريكا.

وفي اليوم التالي لتصريح"بيشون"- أي يوم 15/فبراير/1918 - جاء الإعلان عن اتفاق الحكومتين الفرنسية والبريطانية حول الوضع المحفوظ للصهيونية في فلسطين، فكلتاهما تعترف بمنشأة [ Establishment] يهودية في فلسطين، مع تمكين اليهود من حكم ذاتي إداري في إطار دولة عالمية [ International State] ستنشأ في هذه البلاد - فلسطين - ولعل استعمال تعبير"المنشأة اليهودية"جاء من موقف وزارة الخارجية الفرنسية التي تريد أن تقف موقفا وسطا بين طالبي الحد الأقصى - وهو إقامة دولة يهودية - وخصوم هذه الفكرة.

لقد كان هناك بعض ردود الفعل على الموقف الفرنسي من الصهيونية، فدوائر الكاثوليك والاِستشراق وبعض العرب تحركوا ولكن لم يكن لهم فعالية، كما كانت هناك اللجنة المركزية السورية في باريس، ولكن موقفها كان غير فعال أيضا.

ومعظم العرب المتواجدين في فرنسا عندئذ كانوا من المسيحيين السوريين، ويرأسهم"شكري غانم"، وكانت فرنسا هي التي تدفع إليهم الأموال، ولذلك كان مطلبهم يتمثل في قطع سورية عن الدولة العثمانية ووضعها تحت حكم فرنسي، وكانوا على صلة ببعض العرب الآخرين في الخارج، غير أن أنصارهم في سورية نفسها كانوا قلة، ولم يكن لهم أي أثر على فصل فلسطين عن سورية وإقامة الوطن القومي فيها لليهود، كما لم يكن لهم أي أثر في معارضة الفكرة بعد ذلك.

وهكذا تبين أن سنة 1917 كانت حاسمة، ليس لأن"بلفور"والإِنكَليز وعدوا الصهاينة بالوطن القومي لليهود في فلسطين، بل لأن الفرنسيين قد فعلوا ذلك أيضا، وقد لاحظنا أن تصريح"كامبون"جاء قبل تصريح"بلفور"، كما أن تصريح"بيشون"وموافقة الفرنسيين على الوطن القومي اليهودي قد جاءت في بداية 1918 على عهد وزارة"جورج كليمنصو".

ويبدو أن ثلاثين سنة من الاِنتداب البريطاني على فلسطين قد جعل الناس ينسون دور الدول الأخرى، مثل فرنسا وألمانيا وتركيا في المنطقة، فهل كان التصريح الفرنسي مختلفا في المحتوى عن التصريح الإِنكَليزي؟ أو هل أن الصهاينة لم يروا فيه إنجازا كبيرا أو هو أقل أهمية في نظرهم من التصريح البريطاني؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت