مما سبق في عرض الحالة السياسية، تبين مدى الاضطراب والتزعزع في كيان الأمة، وهذا العصر رغم مافيه من زوابع وغوائل إلا أن الحالة الثقافية والعلمية في القطر العراقي لم تتأثر كبيرًا، أما في مصر والشام فقد وجدت نهضة علمية مباركة متميزة.
فالعراق - وهو الذي ولد وعاش فيه السرمري حياته الأولى - بعد أن فقد استقلاله، وزال عنه الطابع الإسلامي ولو صورة، وبعد أن صار نهبًا بيد الغزاة، لم يبق ما يعول عليه، أو يركن إلى قوته سوى الأوقاف الإسلامية؛ وهذه كانت في عهدها العباسي مكينة، وتسابق الخلفاء ورجال الدولة إلى أعمال البر لتقوية الثقافة وتنميتها.
ولما لم يتعرض المحتل للمؤسسات الدينية - أيام احتلاله - كان من نتائج ذلك الاحتفاظ بالمعارف والعلوم ومن أوضح ظواهرها المدارس الكبرى مثل المستنصرية والنظامية والبشيرية، والرباطات ومشيخاتها، فصارت خير واسطة للم الشعث واستبقاء الحضارة، مما دعا أن ينبغ كثيرون ذاعت شهرتهم وطبقت الآفاق.
والعراق لم يقف عند مؤسساته القديمة أو بقاياها وإنما أسس معاهد جديد مثل المدرسة العصمتية إلا أنها قليلة ولا تقاس بما بقي إلى مابعد الاحتلال من المؤسسات العباسية.
والمدارس كانت إدارتها مودعة إلى رجالات العراق وغالب أيامها إلى قاضي القضاة أو إلى صدر الوقوف ينظر فيها وفي المعاهد الخيرية والدينية، ولم يستول على أوقافها غيرهم إلا في مدة يسيرة، وفي هذه أيضًا لم يهمل شأنها، غير أن المحتلين بسبب أنهم لم يكونوا مسلمين فقد راعوا مايوافق رغبتهم من العلوم والثقافات كالعلوم الفلكية والرياضية والطب، ومن الفنون الموسيقى
والرسم وأمثال ذلك، إضافة إلى أن كثيرًا من علماء العراق قد هاجروا أيام الواقعة وبعدها هربًا من المغول [1] ، ووجدوا في مصر والشام ملاذًا لهم، ينهلون من معارفهما وتحيطهم رعاية الأمراء واهتمامهم.
(1) انظر: تاريخ العراق بين احتلالين (1/ 543 - 545) ، لعباس العزاوي.