فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 69

غني عن البيان، إزاء هذا الدفق الإعلامي، القول أن القاعدة والتيارات السلفية الجهادية ألقت إعلاميا بكل ثقلها في مناصرة غزة، فلم يبق تيار أو فرع إلا وكان حاضرا على المستوى الإعلامي والدعوي والتعبوي. وحتى الأنصار اندرجوا في الحرب وسط حماسة ودعاء لا ينقطع. لكن كل من تابع جواهر الموقف السلفي الجهادي، على مستوى المناصرين أو القيادات، سيتبين له أن السلفية الجهادية ظلت على مسافة ثابتة من الشك والريبة خاصة تجاه حماس كجماعة وتجاه قيادتها السياسية وحتى تجاه كتائب القسام كجناح عسكري. ولو فتشنا في كل الخطابات السابقة لما اشتمل أي منها على مجرد ذكر لحماس أو القسام ناهيك عن مناصرة أي منهما. فلمن انتصرت السلفية إذن؟

لا شك أنها أبدت تعاطفا وتحرقا للقتال إلى جانب المقاتلين في غزة، ودعت إلى الجهاد في شتى أنحاء العالم لرد العدوان عن فلسطين، وتوقفت طويلا عند أسباب الكوارث التي حلت بالفلسطينيين على امتداد عقود، لكنها في الحرب انتصرت فقط (1) للمسلمين و (2) المجاهدين و (3) المستضعفين، ولم تنتصر لأية جماعة بعينها. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التجاهل لا يعني أنها لا تنتصر لمجاهدي القسام وغيرهم كونهم في جهاد دفع، كما لا يعني أنها لا تنتصر، بالضرورة، لمن عقد منهم أو من غيرهم النية في الجهاد على راية التوحيد.

حتى جيش الأمة ذو الأطروحة السلفية بمحتواها العالمي لم يذكره قادة الجهاد سلبا ولا إيجابا، ربما خشية من إحراجهم بحيث تطولهم تهمة الانتماء للقاعدة وبالتالي تعريضهم للمضايقات. لكن يكفي الاطلاع على بيان الجيش الذي يشارك في المعارك، خاصة في منطقة خانيونس جنوب غزة لنكتشف صراحة أنه خلا من أية مواقف سياسية تجاه أية جماعة أو فصيل مقاوم مثلما خلا من أية إشارة لحماس أو القسام، وبعيدا عن كونه"بيان للناس"إلا أن الملفت في الشق الثاني من التسمية في كونه بيان"هدى وموعظة". ويبدو أنه استهدف الداخل أكثر مما استهدف"جماهير امتنا المسلمة في كل مكان". والأهم في البيان أنه حرص على التأكيد على مسألتين أرقتا إجمالي التيارات السلفية خلال الحرب وهما:

-دعوته إلى:"التمسك بخيار الجهاد"وتخوفه من تهدئات قادمة باعتبارها:"ارتهان جديد لاتفاقيات مذلة توقف الجهاد ويستفيد منها الاحتلال كما حدث في التهدئة"الأولى. وفي هذا السياق بالضبط من الجدير الإشارة إلى أن جيش الأمة كان أول جماعة تكسر التهدئة حتى قبل انتهاء مدتها القانونية.

-دعوته للمقاتلين أنفسهم بأن يكون:"القتال ... تحت راية التوحيد ... (فـ) من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية"، ربما لم تكن المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه الدعوات في فلسطين خاصة وأن الجميع في قلب المعركة لكنها دعوة تحذيرية بالغة الذكاء في توقيتها حيث المقاتل في الحروب أقرب ما يكون إلى دينه وربه من أي شيء آخر. كما أنها كانت بمثابة نداء إلى كافة المقاتلين من شتى الأطياف الأيديولوجية لمراجعة أنفسهم قبل أن يلقى أحدهم حتفه، فإن كان لا مناص من التضحية بالنفس فـ:"قاتلوا اليهود تحت راية التوحيد"حتى لا تزهق النفس:"تحت راية الوطنية والقومية".

الأكيد أن مخاوف السلفية الجهادية كانت، ولمّا تزل، نابعة من المنهج الوطني للحركة ومن الإطار السياسي لحماس حيث عقيدة الولاء والبراء على المحك، ورغم ذلك لاحظ هذا الإطار أن قادة التيارات الجهادية لم تمسه بأي نقد كانْ بقدر ما أبدت حرصها على أن يقطف هو ثمرة جهاده وثباته وليست أية جهة أخرى. فكيف تعاملت حماس مع هذه المخاوف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت