فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 69

د. أكرم حجازي

مع احترامي وتقديري للمحللين العسكريين الذين يتحدثون عن اجتياح إسرائيلي بري لقطاع غزة، جزئي أو شامل، لكن إذا ما ركن المقاتلون الفلسطينيون إلى مثل هذه التحليلات فقد يقعون في خديعة مدمرة لا تقل فداحتها عن الخديعة السياسية التي تعرضت لها القيادة السياسية لحركة حماس ومن ورائها بقية الفصائل الفلسطينية.

هذه التحليلات تستند أصلا إلى تصريحات القادة اليهود. وهؤلاء يحشدون قواتهم على أطراف غزة، ويهددون باجتياحها جزئيا أو كليا بحسب ما تقتضيه الحاجة! وإذا ما ركن المقاتلون أو القيادات السياسية وحتى العسكرية للفصائل الفلسطينية إلى مثل هذا الاحتمال فربما يكونوا بصدد تلقي خديعة عسكرية كبرى. فما هي حقيقة المشهد العسكري إذا أخذنا بعين الاعتبار أن إسرائيل خاضت حرب تموز 2006 وخرجت منها ذليلة؟

في لبنان بدأت الحرب كما هو الحال في غزة بعمليات قصف جوي واسعة النطاق وبسرعة قياسية. والمنطق التقليدي للحروب يفسر هذه البدايات كمقدمة لتحرك القوات البرية التي تكون مهمتها تطهير المناطق المحتلة من العدو. لكن وقائع العمليات البرية أثبتت أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فشلت فشلا ذريعا في معرفة العقيدة القتالية لحزب الله من دفاعات وتحصينات ومنظومات اتصالات محكمة. والأكيد أنها فوجئت بمشهد حربي غير مألوف. ورغم عديد المحاولات لكسر الدفاعات الأمامية الكائنة في عمق الجبال ومناطق السيطرة إلا أن الفشل كان مؤلما على القوات المهاجمة.

الواقع العسكري يقول بأن المقاتلين الفلسطينيين لا يمتلكون قوة عسكرية رادعة كما هو الحال بالنسبة لحزب لله، وليسوا في دولة يمكن أن تتلقى الدعم العسكري أو المدني من هنا أو هناك، وليسوا قادرين على مواجهة آلة الدمار الإسرائيلية، ولا هم يتمتعون بأدنى دعم سياسي يذكر لا على المستوى العربي ولا على المستوى الدولي. باختصار فإن كل العالم شريك في طحنهم وإبادتهم، وكل العالم يعرض عليهم أطروحة واحدة هي التخلي عن المقاومة المسلحة والقبول بالشروط الإسرائيلية. والتالي فهم معرضون لكسر هذه الهجمة أو الاستسلام التام.

ولا نشك لحظة واحدة بأن حماس استطاعت بناء شبكة دفاعات ممتازة في قلب غزة وعلى أطرافها. ولا نشك أيضا أن إسرائيل تدرك ذلك، وتدرك أن الفصائل الفلسطينية قد أعدت عدتها لمواجهة طاحنة مع إسرائيل إذا ما اجتاحت غزة. ولا نغامر، كثيرا، إذا قلنا بأن اجتياح غزة سيجعل إسرائيل تندم على فعلة من هذا النوع. لكن من يستطيع أن يجزم بأن إسرائيل ستهاجم برا بذات الطريقة التي فعلتها في حرب تموز 200؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت