فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 69

إذن الإعداد يتطلب منظومة شرعية وأخلاقية وواقعية تفوق منظومة القوة العسكرية والتنظيمية بحيث ينصب الجهد في صالح الهدف المحدد والذي يعني الأمة. لكن إذا كانت المعارك والحروب ستخاض باسم التنظيم ولمصلحة التنظيم ولأهداف التنظيم وبقيادة التنظيم وإعلام التنظيم وبطولات التنظيم فهذا مؤشر على أن الإعداد المقصود لم يستوف شرط الاستطاعة بقدر ما استوفى شرط التنظيم الذي لا يرى في غيره، حتى في نظرته للمجتمع، إلا مجرد. آخرين وشتان بين هذا وذاك. أما المؤشر الأهم فهو اقتصار الإعداد على غزة بعيدا عن الضفة الغربية التي بدت وكأنها خارج الحسابات رغم أن الامتيازات التي تتيحها طوبوغرافيا المنطقة وديمغرافيتها للقتال لا تقارن بما هو كائن في غزة. فلنتخيل فقط نتائج نقل تجربة التصنيع إلى الضفة والأثر الذي يمكن أن تحدثه. وهنا ثمة سؤال بسيط: هل أن غزة مجرد معقل لرأسمال حزبي؟

وفي السياق تظل مشكلة الأمن واحدة من أشد العقبات في طريق بناء عقيدة قتالية فعالة. صحيح أن النسبة المئوية للطابور الخامس بالنسبة للشعوب المستعمرة معدلها 6%، لكن مثل هذه النسبة كبيرة جدا على مجتمع ذو جغرافية مفككة وصعبة وكثافة سكانية محصورة في بقعة جغرافية صغيرة. وبحسب تقديرات نشرت سنة 1989 ثمة ما يناهز الـ 100 ألف عميل وعميلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وليس لدينا أية معلومات فيما إذا كان العدد قد زاد أو نقص.

ومن ثوابت العقيدة القتالية عند اليهود أنهم لا يستطيعون القتال إلا وعيونهم مفتوحة، فإذا ما عميت عيونهم تخبطوا تماما. أما وأد فكرة أن يكون للعملاء أي شأن يذكر في المعارك قد جرى تطبيقها بشكل واسع خلال الانتفاضة الأولى. غير أن اليهود نجحوا إلى حد كبير في اختراق هذا التوجه عبر الزج بعملائهم في الفصائل والتنظيمات وحتى في المجتمع لممارستها على نطاق واسع، فكانت النتيجة أن خرجت تطبيقات الفكرة عن السيطرة وتسببت بتصفيات لأبرياء قبل أن تتوقف. أما الشق الآخر من المشكلة فيكمن بوجود عائلات كاملة امتهنت العمالة والجاسوسية، والكثير منهم ظاهر للعيان ومعروفة أسبقياتهم وتاريخهم لكن ليس ثمة قدرة على تصفيتهم لأن ذلك يعني الدخول في مواجهات ذات طابع اجتماعي. وشق ثالث وهو الآخر أن إسرائيل لديها القدرة على تجديد جيش العملاء بصورة منتظمة وسريعة وفعالة. وأخيرا دخول قطاعات واسعة جدا من رموز السلطة الفلسطينية كطرف في خدمة إسرائيل والتغطية على جرائمها وتمرير مخططاتها عبر أجهزتها الأمنية، ولا فرق، في هذه الحالة، أن يكون التعامل مع اليهود ناجم عن فساد أو عمالة رسمية. وإذا ما استمرت المشكلة قائمة فلا شك أن يد إسرائيل ستظل طويلة حيث تشاء وعيونها مفتوحة بما يكفي لملء خزانات معلوماتها كلما نضبت.

أما قصة الاستنجاد بالرأي العام فليكن معلوما أن الشعوب والمؤسسات تحركت ضد وحشية إسرائيل أكثر مما تحركت لنصرة الفلسطينيين. ولا شك أن إسرائيل انكشفت للمرة الأولى أمام الرأي العام. لكن لنكن دقيقين في معالجة هذه المسألة.

إذا تعلق الأمر بالرأي العام العربي فلا أظن أن فائدة تذكر يمكن تحقيقها إلا إنْ أحدث هذا الرأي تغييرا جوهريا بحيث يكون له صدى سياسي أو عسكري وصدى إعلامي في الغرب وهو أمر مستبعد لأكثر من سبب. لكن إذا تعلق الأمر في الرأي العام الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا واليابان) فالمسألة هنا مجدية. بل هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت