فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 69

لا شك أن هذا النمط من الحروب كان مريحا لليهود وآمنا. والأكيد أن ما يستبطنه الناس من عقائد اليهود التي لا تقيم حرمة لنفس بشرية دفعهم إلى الخضوع للاحتلال بأبخس الأثمان. والأكيد أيضا أن الأجيال السابقة كانت ثقافتها تميل إلى السلامة والأمن أكثر مما تميل إلى القتال وفقدان الأحبة. والأكيد أن هذا النمط من الحياة يذكرنا بتصريحات إسحق رابين وهو يتغنى بجيشه وهو يحتل الضفة الغربية بـ 500 جندي فقط، وهو عدد لا يكفي للسيطرة على مدينة صغيرة. لكنه كان كافيا لإخضاع مَنْ مُنع من التسلح أو تجرأ على الجهر بمشاعر وطنية.

لكن الحقيقة أن معركة جنين وحرب غزة أثبتتا أن إسرائيل لم تخض، فيما مضى، قتالا حقيقيا مع خصم حقيقي كي نقول أنها انتصرت بفعل تفوقها الميداني أو حتى التكنولوجي. فهي انتصرت فقط لأننا كنا نفر من أمامها ونلتزم البيوت. صحيح أنها احتكرت التسلح كما ونوعا لكنها لم تتعرض لقتال ممن يملكون السلاح وكان باستطاعتهم إيذائها وحتى إزالتها. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"نصرت بالرعب مسيرة شهر"إلا أننا هزمنا من اليهود بفعل جدار صوتي لطائرة أو انفجار لقذيفة أو بضعة آليات دخلت قرية أو مدينة أو حتى قبل أن تدخلها!

حتى اليهود كانوا يفاجَؤون بانتصاراتهم السريعة علينا. فقد اعتادوا ممارسة احتلال يسير دون مقاومة أو خسائر كبيرة في صفوفهم الأمر الذي كان يشجعهم على تغيير خططهم وأهدافهم وتوسيع رقعة الاحتلال بقدر حاجتهم أو بقدر ما يسمح لهم الميدان بذلك. ومن المهم، في هذا السياق، ملاحظة بعض التصريحات اليهودية التي سقطت على غير هدى من أحد كبار المحللين في صحيفة معاريف"عوفر شيلح"وهو يعبر للإذاعة الإسرائيلية، بعد بضعة أيام من اندلاع الحرب، عن غضب جامح منتقدا الأداء السياسي للقادة. هذه التصريحات كانت ترى:"أن العملية العسكرية ضد قطاع غزة تدار يوميًا بدون تفكير، ووسط تخبط بارز للقيادات الإسرائيلية"!؟ هذه ليست كذبة ولا مبالغة لكنها الحقيقة التي تشي بأن اليهود اعتادوا على إدارة معاركهم بهذه الطريقة قياسا على ما سبق من معارك فإذا بهم يتورطون في غزة.

ثانيا: العقيدة القتالية المضادة

لا شك أن تحرير فلسطين سيكون من الخارج وليس من الداخل. وهذا لا يقلل من مسؤولية الفلسطينيين في الداخل خاصة وأنهم بموجب النص القرآني هم"شعب الجبارين"الذين استودع الله فيهم هذه البقعة المقدسة واختارهم سدنة عليها. وهكذا تبدو المسؤولية عظيمة على المسلمين في فلسطين من حيث أنهم في مواجهة مستمرة ودامية مع القاسية قلوبهم وأصلاب الرقبة بصورة مباشرة لا حواجز بينها أو حجب. والأهم أن هذه المواجهة ستستمر إلى آخر الزمان كما لو أن فلسطين هي مركز الصراع الأزلي بين الخير والشر. ولما يكون زوال إسرائيل هو استحقاق رباني لا مفر منه فهل العقيدة القتالية التي يقاتل بها الفلسطينيون إسرائيل، على فرض وجودها، جزء من هذا الاستحقاق؟

من الطبيعي أن يلجأ اليهود إلى منع الفلسطينيين من التسلح ومحاصرتهم من الداخل والخارج والفتك بهم في عمليات إبادة متواصلة، فحتى الملاذ الآمن للمدنيين كان ممنوعا في حرب غزة، ولم يعد المسجد ولا المدرسة ولا المنشآت العامة ولا الساحات ولا المستشفيات آمنة من آلة القتل والدمار، بل أن الطبيعة ذاتها والبيئة لم تعودا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت