سياسية غير محسوبة، وأنها لم تستشر بها! وعليه فليتحمل الفاعلون عواقب مغامراتهم، وميزت بين"المقاومة الشرعية"وما اعتبرته"تصرفات غير مسؤولة"، أما بيانها في الشأن فكان صريحا:
"إن المملكة ترى أن الوقت قد حان لان تتحمل هذه العناصر وحدها المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات غير المسؤولة وأن يقع عليها وحدها عبء إنهاء الأزمة التي أوجدتها".
إذن بعد انتظار طويل رأت المملكة أن:"أن الوقت قد حان"، وكأن المملكة كانت تتحين الفرصة للانقضاض على حزب الله. والحقيقة أن حزب الله لم يكن هو المستهدف بحد ذاته أبدا بل هي المقاومة حيث تكون مثلما هو الجهاد حيث كان. إذ أن عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط أثارت حفيظة دعاة الحل السلمي، وبلغ الأمر أن ساوم البعض، خلال الشهور الأولى لبدء الحصار، على دفع رواتب موظفي السلطة لأربعة شهور ماضية إذا ما أطلقت حماس سراح الجندي متجاهلة عقود الزمن ومعاناته لآلاف الأسرى المنسيين عند اليهود! لكن العملية لم تكن كافية كي تصب السعودية جام غضبها على المقاومة وأفعالها، فكانت عملية حزب الله فرصة ذهبية للمجاهرة والتعبير عن قمة الغضب والسخط، لأول مرة، بإدانة فعل مقاوم له وقعه الثقيل على آلاف الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم.
كان من السهل على السعوديين تمرير البيان وتثوير العلماء شرعيا وتغطيته على خلفية طائفية ذات محتوى عقدي بغيض فضلا عما تتطلبه جروح أهل السنة الغائرة في العراق وأفغانستان من تعطش للنصرة. لكن الحقيقة أن بيان السعودية لم يكن له علاقة بأية مبررات عقدية بقدر ما كان تعبيرا عن أطروحة سياسية جذرها في واشنطن وتل أبيب وليس في العقيدة. ولم يكن تبريره عقديا ومنحه مشروعية إلا لتحقيق مصالح سياسية وليس لإدانة جرائم الشيعة أو فضح عقائدهم، ولو كان الأمر غير ذلك لاستحقت غزة النصرة بقدر ما استحق الشيعة الإدانة. وإلا فما هي مبررات الموقف ذاته عند السعوديين والمصريين فيما أهل غزة من السنة؟ ولماذا تعالت الأصوات، على اختلاف مؤهلاتها ومشاربها، في نصرة أهل السنة ضد حزب الله بينما صمتت في نصرة أهل السنة في أفغانستان والعراق والصومال فضلا عن الشيشان المنسية؟ فما الذي فعلته غزة، إذن، حتى تحترق ويصمت السعوديون صمت القبور بينما تموج الجماهير في زقاق العالم غضبا ونقمة على إسرائيل وبشاعة جرائمها التي كاد الحجر والشجر أن ينطق مستنكرا لها؟ وهل كانت حماس معتدلة وطيبة لما وقعت اتفاق مكة وتهدئة مع الاحتلال في قلب الحصار ثم غدت شريرة لما شنت إسرائيل عليها حربا؟ أم أن المشكلة في وجود المقاومة وصمودها؟
الحقيقة أن الموقف السعودي تجاه الحرب على غزة يبدو منسجما أكثر من غيره مع اختياراته. فهو موقف لا يريد جهادا ولا مقاومة، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لسخّر كل طاقاته كما فعل في أفغانستان حيث كان القتال ضد الملحدين مشروعا لكنه ضد المؤمنين فهو أقرب إلى الكفر إن لم يكن الكفر بعينه. وليس اليهود والأمريكيين سوى مؤمنين يمكن التحاور معهم بدلا من قتالهم. للأسف هذه هي الحقيقة.
أشهر من يتصدر الموقف السعودي في المصالحة مع اليهود اثنين على الأقل أحدهما هو بندر بن سلطان السفير السابق في الولايات المتحدة والآخر هو الأمير تركي الفيصل صاحب الرؤية المدافعة عن الأطروحة