د. أكرم حجازي
القمة العربية
لم يكن الموقفين المصري والسعودي محبطين في الحرب إلا بالقدر الذي بدت فيه تبريراتهما لتجنب انعقاد قمة عربية استفزازية إلى درجة فاضحة ومخزية حتى بالنسبة لأدنى المستويات الشعبية ثقافة أو دراية في السياسة، وبالقدر الذي انكشفت فيه ضغوطهما التي عطلت انعقاد قمة بنصاب قانوني. وبالقدر الذي بدا فيه البلدين ضليعان في تبادل الأدوار وتكاملها بدء من الموقف السعودي كرأس حربة في إدانة المقاومة سنة 2006 وانتهاء بتولي مصر المهمة ذاتها في الحرب على غزة، وبالقدر الذي تعمدت فيه السعودية ومصر منح إسرائيل الفرصة الكاملة في تدمير غزة وإلحاق أفدح الضرر بالفلسطينيين والمقاومة أملا في تحقيق بعض الإنجازات التي بدت عصية وشبه مستحيلة. مشكلة الأمة منذ كامب ديفيد السادات وإلى يومنا هذا تكمن في النظامين السياسيين في مصر والسعودية، فالمصريون قدموا، من جهتهم الغطاء السياسي لكافة الحروب الأمريكية والصهيونية في المنطقة بدء من احتلال بيروت سنة 1982 وانتهاء بحصار غزة والحرب عليها سنة 2009، أما السعوديون فقدموا القواعد والتمويل والغطاء الشرعي. ولا ريب أن هذا الدور سيستمر لاحقا ما لم توقفه معجزة ربانية.
هكذا لم يكن الموقفين انعكاسا لفرز عربي تسببت به خلافات في وجهات النظر ولا هما وليدي الحرب على غزة. أما التحليلات المحمومة التي سعت إلى التقارب أو جسر الهوة وكذا تلك التي حاولت إيقاع الأطراف المناهضة لانعقاد القمة في الحرج كي تدفعها إلى تغيير مواقفها لم تنجح سوى في الكشف عن المزيد من التعنت والاستهتار في الأرواح بصورة لا تقل وحشية عما تأتيه إسرائيل والعقلية اليهودية المتغطرسة من جرائم لم تعد تتسع لها العقول ولا الصدور.
ولسنا ندري هل هو دس للرؤوس في الرمال؟ أم تخوف من الوقوع في الحرج؟ أم هي ذات العقلية التي تأبى أن تتعلم من أية تجربة في الماضي البعيد والقريب؟ فسياسة الإحراج والتعرية أو حتى سياسة الترضية والمجاملات لم تعد تُجدِ أي منها نفعا مع تمايز الأطروحات العربية تجاه القضية الفلسطينية ووضوح الافتراق بين الكثير من الأنظمة السياسية منذ زمن بعيد. لذا من الأجدى وضع النقاط على الحروف وتسمية الأشياء بمسمياتها بدلا من الخداع والمراوغات التي لم تجلب سوى الكوارث على قضايا الأمة.
لم يكن الفلسطينيون ولا سكان غزة ولا حتى الشعوب العربية يراهنون على انعقاد قمة عربية أو انتظار نصرة من العرب الرسميين. فقد اعتاد الناس على الخذلان أكثر مما اعتادوا على مناصرة في يوم من الأيام. والمساءلة بسيطة: ماذا ينتظر أهل غزة من قمة انعقدت قبل يوم واحد من وقف إسرائيل لعدوانها (17/ 1/2009) عليهم؟ وماذا يرتجى من قمة الكويت (19/ 1/2009) إذا كان انعقادها قد جاء بعد يومين من وقف العدوان ليغلب عليها طابع المعاتبات والمصالحات؟
الحقيقة الصارخة أن مصر والسعودية لا يمكن لهما أن تقبلا بعقد قمة فيما الحرب بالكاد انطلقت شرارتها. بل أن الرئيس المصري الذي لعب دور رأس الحربة خرج على الملأ (30/ 12/2008) وقال بالحرف الواحد:"لن أفتح المعبر"!، هكذا بتحد سافر لا يعني لأهل غزة المحاصرين من كل جانب إلا من معبر رفح على الحدود المصرية إلا رسالة واضحة جلية: موتوا قتلا ورعبا .. تحملوا مطاردة الطائرات الإسرائيلية لكم ولأطفالكم .. ولتدمر