فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 69

خريف غزة العاصف

د. أكرم حجازي

إسقاط الجهاد واغتصاب المقاومة

للسعودية، على المستويات العربية والإسلامية والدولية، سلطانان تستعملهما في تمرير سياساتها وتحقيق ما تشاء من الأهداف خاصة بعد إبعاد سلطان النفط عن أية استعمالات سياسية أو أيديولوجية: سلطة المال وسلطة الوصاية الدينية. فبالمال تستطيع السعودية مواجهة أية قوة في العالم حتى لو كانت سلطة قضائية بحجم القضاء البريطاني. وعبر جيوش العلماء الشرعيين لديها تستطيع توظيف الدين في تغطية أية مواقف سياسية بقطع النظر إن كانت الفتاوى الصادرة متوافقة مع الحكم الشرعي أو متعارضة معه. هذان السلطان أيضا مكنا السعودية، منذ وقت مبكر، من مد نفوذها إلى مختلف قضايا الأمة إلى أن صارت لها هيبة يحسب لها ألف حساب في الدول العربية والإسلامية على العموم وفي مجرى الصراع العربي الإسرائيلي على وجه الخصوص.

فإذا رأت أن الجهاد في أفغانستان واجب شرعي كان على العلماء والدعاة وطلبة العلم والناس أجمعين التهيؤ للنفير، وسخرت الإمكانيات المالية والدعم اللوجستي وفتحت الأبواب على مصاريعها لإنجاز المهمة. وإذا رأت أن الجهاد لم تعد له راية لا في أفغانستان ولا في العراق ولا في أية بقعة إسلامية صبت جام غضبها على من يعارض توجهاتها سواء داخل السعودية أو خارجها. وبدا واضحا أن السعودية ظلت تبتعد عن قضايا الأمة، نظريا وعمليا، كلما اقتربت من الأطروحة الأمريكية، وزاد الأمر سوء مع توغل القوات الأجنبية في البلاد العربية والإسلامية بحيث بدت السعودية حليفا استراتيجيا لا مثيل له في المنطقة. فهل يمكن أن يكون ثمة جهاد أو مقاومة في ظل تحالف من هذا النوع؟

أولا: إسقاط الجهاد

بعد مضي قرابة العقد على إعلان الملك فهد الجهاد لتحرير المسجد الأقصى (1980) ، وبضعة سنوات على الهزيمة السوفياتية في أفغانستان (1989) ونهاية مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، وتحطيم العراق (1991) ، لم يعد الجهاد خيارا عربيا أو إسلاميا. ولم تعد الدول العربية على الخصوص بحاجة إلى ركن الجهاد كي تعلنه، ولو نظريا، لأجل فلسطين أو غير فلسطين. وحتى لا يكون الأمر مجرد تحليلات نظرية فالثابت تاريخيا أن الدول العربية والإسلامية أسقطت بند الجهاد من جدول أعمال قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في العاصمة السنغالية داكار في 23/ 12/1991.

شعر الفلسطينيون حينها أن إسقاط الجهاد عن فلسطين كان قرارا عربيا اتخذته مصر والسعودية عقابا لهم على موقف عرفات الذي اعتبر مؤيدا للعراق على حساب الكويت ودول الخليج وخاصة السعودية. والحقيقة أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت