المسألة كانت مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية برمتها. إذا أن العرب والمسلمون حين يسقطوا الجهاد كفريضة شرعية لدفع الصائل فهذا موقف يتعدى حتى إسقاط المقاومة الفلسطينية، ويخفي في ثناياه مخاطر عظيمة حتى على العقيدة التي لم تعد مرجعية في الحكم على النوازل كالقضية الفلسطينية التي باتت بيد الساسة كما يقول تركي الفيصل في تصريحاته للصحفيين (21/ 5/2008) خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت - الأردن.
إذن قرار مؤتمر داكار بإسقاط الجهاد يعني أن السعوديين ومن ورائهم حكام العرب والمسلمين:
-لن يعلنوه في يوم ما لأنه لم يعد موجودا على أجندتهم السياسية، ولأنهم لم يلتزموا به حتى نظريا وبالتالي فما من حاجة لِأن يلتزموا به عمليا.
-إذا كانوا قد تجرؤوا على الجهاد كفريضة دينية وغيبوا الحكم الشرعي عن القضية الفلسطينية رسميا فما من شيء سيمنعهم من التجرؤ على المقاومة كخيار شعبي لا يساوي شيء مقارنة بالخيار العقدي.
-سيسعون إلى إحلال ثقافة"السلام"في العقل السياسي العربي الرسمي، على الطريقة الأمريكية، بشكل جذري بديلا عن ثقافة المقاومة ناهيك عن ثقافة الجهاد.
-لن يتقبلوا أية حركة جهادية، بقدر ما سيوظفون لها كل أسباب الإدانة والفشل إن لم تلحق بركب سياساتهم.
-سيحولون دون الاعتراف بأية راية جهادية أو مقاومة، وعلى النقيض من ذلك سيكون أي تدخل أمريكي في المنطقة ضد الجماعات الجهادية مرحب به بما أنها باتت جماعات إرهابية!
-سيتخذون أقسى الإجراءات ضد كل ثقافة عقدية ابتداء من منع الدعاء على اليهود والصليبيين مرورا بتنظيف المساجد من الخطباء والدعاة"المحرضين"والتضييق عليهم وحتى الزج في العلماء المعارضين في السجون أو تهميشهم والعبث في مناهج التربية والتعليم وانتهاء بترخيص حكومي يسمح بدعاء القنوت.
إذن التفاوض والانحياز إلى الاستعداد للمصالحة مع اليهود، بلا ثمن إلا من إلحاق الأذى، عبر ما عرف بالمبادرة السعودية، فضلا عن حوار الأديان، أمور تعني أيضا إلغاء خيار المقاومة المسلحة من أي واقع سياسي أو اجتماعي أو جهادي يمكن أن يعرقل المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة أو يضع الخيارات السعودية في موقف الحرج. فالأطروحة الأمريكية، ما بعد هجمات 11 سبتمبر، واضحة لا لبس فيها:"إما معنا أو ضدنا"، وخطاب الرئيس الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة (نوفمبر 2001) واضحا هو الآخر بصورة جعلت من وفد السلطة الفلسطينية، وهو سليل أوسلو، يفقد أعصابه حين سماعه لها حتى كاد يغادر القاعة:"لن يكون مسموحا لأولئك الذي يظنون أنهم مضطهدون ويبحثون عن تقرير مصيرهم أن يمارسوا العنف بعد الآن".
لم تكن ثمة مشكلة فيما يتعلق بالجهاد حيث صار مسموحا لأمريكا محاربته باعتباره:"قتالا في سبيل الطاغوت"، ذلك أن المشكلة الآن مع المقاومة. ولا شك أن البداية الساخنة كانت من لبنان في أعقاب خطف حزب الله لجنديين إسرائيليين في تموز/ يوليو 2006. وهذه المرة بادرت السعودية إلى اعتبار العملية مغامرة