فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 69

آمنتين مع استخدام الغازات السامة والحارقة والفسفورية والداين وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا، بل أن الفرار من ملاحقة الطائرات والقنابل الحارقة والباترة والمدمرة إلى مصر كان ممنوعا .. كانت غزة خلال الحرب أشبه بيوم المحشر حيث لا مفر.

والحقيقة أن الفلسطينيون تلقوا من اليهود طوال عقود الصراع معهم من المعاناة والقهر والتنكيل ما لم تتلقاه أية أمة على وجه الأرض. ولا نظن أحدا جرب ظلم اليهود أو استطاع تحمل عنتهم في لحظة استعلائهم وإفسادهم كما فعل الفلسطينيون. فهم يتلقون إفرازات هذه اللحظة من الزمن أكثر مما تتلقاها أية أمة أخرى. لكن هذا لا يمنع من القول أن العقيدة القتالية في شقها المدني كانت شبه غائبة تماما. ولو كانت المعابر مفتوحة، مثلا، لشهد القطاع نزوحا بمئات الآلاف ولتكررت تجارب الحروب السابقة.

ومنذ اغتصاب فلسطين وإلى يومنا هذا لم يسجل التاريخ قوة عربية واحدة تحركت عسكريا لنصرة الفلسطينيين في فلسطين ولو لمرة واحدة. وهذا يعني أن خيار تدخل الجيوش العربية لا يمكن أن يكون جزء من أية عقيدة قتالية سابقة أو لاحقة. وعلاوة على كون الحدود العربية آمنة منذ عشرات السنين إلا أن الموقف المصري بالذات خلال الحرب على غزة بدا أكثر وحشية من غيره كما لو أنه واقع في صميم العقيدة القتالية لليهود. هذه الوضعية من شأنها أن تحيل الفلسطينيين إلى فكرة قبول الحصار، من المحيط، في أية لحظة كإجراء حاسم يستهدف إيقاع أكبر الضرر بهم حتى من أقرب المقربين.

وفي هذا السياق، حيث لا يُنتظر نصرة من أحد، فإن تحصين المجتمع وتأمين حياة السكان هي ضرورات استراتيجية حاسمة بذات القدر الذي تتطلبه حماية القوى المقاتلة، فلا المدني أرخص من المقاتل ولا هذا أثمن من غيره. ففي أغلب الأحوال يستطيع المقاتل تدبر أمره في الحروب بعكس المدني، وقد دلت الحروب السابقة على أن أغلب الضحايا من المدنيين، وإذا لم يقع التنبه لهذه المشكلة وحلها فسيكون الفلسطينيون كمن يقاتل بصيغة:"عاش القائد ... مات الشعب"؟

ميزة الشعب الفلسطيني بعد النكبة أنه مشتت ومقسم ومفكك بين لاجئ وغير لاجئ ومهاجر ونازح وبين الضفة وغزة والقدس وبين 1948 و 1967. وحين نتحدث عن العقيدة القتالية فليس مفهوما أي جزء هو المعني بها؟ ولا ما إذا كانت كل الأمة معنية بها أم أجزاء منها؟ وهل هي عقيدة قتالية لحزب؟ أو لجماعة؟ أو لحركة؟ أو لفرد؟ لكن الثابت أن التنوع الأيديولوجي والجغرافي لدى الفلسطينيين أفرز هو الآخر تنوعا في مصادر العقيدة القتالية حتى باتت بلا هوية. فبالكاد أمسى الفلسطينيون بـ"الكفاح المسلح"لتحرير فلسطين كاملة حتى أصبحوا ينادون تارة بحقهم في تقرير المصير وتارة بالدولة المستقلة وتارة بالمؤتمر الدولي للسلام ثم يعودون يبحثون عن السلام وتارة عن التسوية وتارة عن الحكم الذاتي لينتهوا إلى المطالبة بوقف العدوان وفك الحصار وفتح المعابر والمصالحة الوطنية والتهدئة وما إلى ذلك. باختصار: من هو العدو الذي يقاتله الفلسطينيون بالضبط؟ ولأية أهداف يقاتلونه؟

لم يكن الحديث عن التسوية السياسية وليد مؤتمر مدريد للسلام، فالمصالحة مع اليهود انطلقت بينما إسرائيل لم تقم بعد. لكن على الجانب الفلسطيني فإن دخول التسوية على خط القتال أفسد العقول وميّع القضية. فحتى الذين كانوا يتحدثون عن إزالة إسرائيل بوصفها باطل لم يكونوا يدركون أن إزالتها ستعني بالمحصلة إزالة سايكس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت