والاجتياحات والترويع وقتل الشيوخ والأطفال والنساء وتدمير المساجد وتدنيس المقدسات وتهديد المسجد الأقصى والحصار والتجويع والمعاناة والتنكيل والظلم والعربدة والقهر، وصامدون ضد الانحياز الأمريكي والغربي لليهود وضد النفاق الدولي وضد التخاذل العربي وضد الخيانة والتواطؤ وضد العنصرية والاضطهاد وضد سفك الدماء وتغييب الحقائق وضد الانتهازية ... وضد كل شيء. وهذا بحق صمود أسطوري لكنه سلبي في صراعنا مع اليهود، فالتاريخ يثبت بالقطع أن الصمود الذي خلّف مرارات وحسرة في النفوس يكافأ بالنكران والاستهتار واللامبالاة رغم كل ما رافقه من خسائر باهظة التكاليف لما هو قابل للتعويض، لكن ماذا عن الخسائر التي لا تقبل التثمين ولا التعويض؟
عقلية الصمود هذه ربما تكون الظروف السابقة قد فرضتها، لكننا تجاوزنا مرحلة الانقراض والتذويب، وبات من الضروري تجاوز عقيدة القتال دفاعا عن الأمة وشرف الأمة وكرامة الأمة والموت واقفين ولن نركع أو عقيدة التسوية والسلام والترقب وتحسين الفرص أو عقيدة الحزب والجماعة والتنظيم أو عقيدة البيانات الثأرية والنارية. وأن الأوان آن لانعطافة جوهرية نحو عقلية الحركة والإثخان كما يبشر بها الدكتور عبد الستار قاسم حين أشار في مقالة له بعنوان:"معالم الحرب القادمة"من أن الحروب القادمة تستدعي خروج المقاومة من خنادقها ومهاجمة العدو. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟
فاليهود مثلا يتجنبون القتال التلاحمي، والتجارب كثيرة، فقد سبق لهم وامتنعوا عن دخول بيروت خلال حصارهم لها سنة 1982 إلا بعد انسحاب المقاومة منها، وفعلوا نفس الشيء في مخيم جنين، وكرروا السلوك ذاته حين امتنعوا فعلا عن دخول غزة وبقية المدن خشية الوقوع بهذا الفخ. ألا يفرض هذا على المقاومة التفكير جديا بوسائل من شأنها توريط اليهود بقتال تلاحمي شاؤوا أم أبوا حتى لو استدعى ذلك جرهم إلى معاقل المقاتلين؟ بشرط أن يضع المخططون العسكريون استراتيجيا هذا النوع من القتال مع عدم أي تدخل من قبل السياسيين؟ فمن البديهي أن يفضي اعتماد استراتيجية القتال التلاحمي إلى تحقيق اختراق نوعي في عقيدة اليهود القتالية من حيث عدد القتلى والأسرى وردع الغطرسة والدموية التي يمارسونها ضد الخصم.
سواء خاض الفلسطينيون الحرب أو فرضت عليهم فالأكيد أنهم مطالبون بالإعداد لها، صحيح أن الإعداد مرتبط بالاستطاعة، لكن أي نوع من الإعداد هو المقصود؟ وعلى أية أسس عقدية سيقوم؟ وما هي هويته؟ هل هو سياسي؟ أم حزبي؟
من المعروف أن الساحة الفلسطينية في الداخل، حيث يمكن قتال اليهود دون إذن من أحد، تعج بالفصائل والأيديولوجيات، فمن شاء أن يقاتل في سبيل الله فله ذلك وهو أفضل القتال شرعا وأسلمه للنفس وللدنيا والآخرة، ومن أراد أن يقاتل تحت راية أخرى فليفعل وهو من يتحمل نتائج قتاله شرعيا، لكن العقيدة القتالية يجب أن تكون واضحة وملكا للجميع بما في ذلك المدنيين. أما أن يستمر التعامل مع القوى المقاتلة والمجتمع بموجب معايير تنظيمية وحزبية استعلائية واحتكارية فهذا سيؤدي إلى حالات من انعدام الثقة كالشك والريبة والتوجس وتكريس للخصومات والبغض بين المقاتلين وانقسام اجتماعي، وللحق فقد كانت تصريحات أمير جيش الأمة لـ:"إسلام أن لاين"مثيرة وهو يتحدث عن غياب التنسيق بين القوى ميدانيا وعن احتكارات لمناطق القتال خلال الحرب. فهل من المجدي أن يقاتل تنظيم في وسط حرب طاحنة وعيونه تراقب الآخرين وكأنهم أعداءه!؟