قتال يبحث عن عقيدة
د. أكرم حجازي
وسيتذكر الفلسطينيون وغيرهم ممن شهدها أن معركة مخيم جنين سنة 2001 خلال اجتياح إسرائيل للضفة الغربية كانت الأشرس على أرض فلسطين حتى ذلك الحين، وكانت نذيرا للحروب الإسرائيلية القادمة في فلسطين. خمسون مقاتلا أغلبهم من حركة الجهاد الإسلامي، حيث تعتبر مدينة جنين معقلهم في الضفة، وفي مبادرة منهم، دخلوا مسجد المخيم وعاهدوا الله على قتال اليهود حتى آخر رمق مهما كانت النتائج ... وبدأت المعركة الطاحنة مع الجيش الإسرائيلي الذي فقد فيها قرابة العشرين جنديا باعترافه. وتم تدمير المخيم وقتل 500 من سكانه، ولم تنل إسرائيل من المخيم ولا من مقاتليه إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم. كان محمود الطوالبة أحد أعظم قادة المعركة، ولما قيل له:"الحرب كرّ وفرّ"أجاب:"هذه معركة فيها كرّ وليس فيها فرّ". وفعليا كانت معركة جنين الأولى والوحيدة التي لم ينج منها مقاتل ولم يسجل بها جرحى! فمن بقي في المخيم قتل سواء من السكان أو المقاتلين.
أهم ما في المعركة أنها خيضت بمصطلحات ومعايير غير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية، وكان جليا أن الأداء القتالي اختلف كلية عما سبق من أداء في معارك ماضية. وذات الأمر وقع خلال الحرب على غزة، إذ يشهد جيل النكبة أن ما شاهدوه وعايشوه لم يسبق لهم أن رأوا مثيلا له منذ ما قبل قيام إسرائيل سنة 1948. وبمقاييس الحروب فإن ما جرى لغزة هي الحرب الأولى والأوسع والأشد وحشية التي تقع على أرض فلسطين، والتي خاض الفلسطينيون فيها قتالا ضد إسرائيل على أرضهم.
في هذه المقالة لا يهمنا التوقف عند نتائج الحرب فيما إذا كانت نصرا أو هزيمة مع أننا نرى أنها بالتأكيد ليست نصرا لليهود ولا هزيمة لحماس. لكن من المهم التوقف عند منطق الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب ومنطق العقيدة القتالية ومنطق الحروب القادمة.
أولا: حروب إسرائيل
إذا ما استثنينا حرب تشرين أول / أكتوبر 1973 التي اندلعت بقرار عربي فقد كانت إسرائيل قبل قيامها هي المبادرة في شن الحروب، وهي المبادرة في شن الغارات والاجتياحات المحدودة أو الواسعة. وفي كل حروبها كانت المدن والقرى تسقط تباعا، وكان اللاجؤون من السكان يفرون بمئات الآلاف من منازلهم ومناطقهم بحثا عن ملاذ آمن. وفي الحقيقة لم يكن المدنيين ليستحقوا اللوم لأنهم أعازل وغير مؤطرين ولا منظمين ولا يمتلكون خبرات قتالية وليس هناك من يدافع عنهم، فحتى الجيوش كانت تفر من مواقعها أو يُطلَب منها الانسحاب بحجة أن المنطقة سقطت عسكريا! أو أنها لا تمتلك سوى أسلحة فردية بالكاد تدافع فيها عن نفسها.