فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 69

-بيكو نفسها، وهذا ربما لم يكن هدفا متوقعا ولا هو بحسبانهم فصمتوا عنه ولم يعودوا يتحدثون به. والآن لم يعد معروفا ما إذا كان هذا الهدف ما يزال قائما عند البعض أو أنه معلق على حين!؟ لكن أية جماعة أو حركة أو حزب يتحدث عن تسوية أو سلام أو حقوق أو ثوابت أو تهدئات أو هدنات عليه أن يدرك أن عقيدته القتالية محصورة، فقط، في نطاق اختياراته وليست من الاستحقاق الرباني في شيء باعتبار أن القتال هنا ليس له أية هوية ولا هدف إلا الوصول إلى التسوية، وهذه مضيعة للوقت إلا إنْ كان هناك من يحسن الظن باليهود. ومن الطريف حقا أن يدخل مصطلح التهدئة إلى المجال السياسي الفلسطيني ليغدو وكأنه هدفا! فما الفرق بين اتفاقية الهدنة العربية مع إسرائيل منذ سنة 1948 وبين الهدنات المقترحة لعام ونصف مع العلم أن اتفاقية الهدنة العربية تجدد آليا كل ستة شهور!؟ أليس هذا عجبا!؟

في خضم مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل أصدر موشيه دايان كتابا له بعنوان"الاختراق - 1979"رأى فيه أن إسرائيل لا يمكنها أن تنسحب من أراضي استولت عليها بالقوة في الضفة الغربية ما لم تتعرض لضغط عسكري يجبرها على الانسحاب. أما لماذا يتحدث دايان بهذه اللهجة فلأن وجود أي كيان سياسي به بصيص من الاستقلال سيعني دمارا لاحقا لإسرائيل، إذ يمكن بسهولة ضربها من كل الجهات، فخط النار بين طولكرم وتل أبيب مثلا لا يزيد عن عشرين كيلو مترا، كما أن مخازن السلاح الاستراتيجي لإسرائيل كائنة في الضفة الغربية، فعن أي تسوية ممكنة يجري الحديث؟

المسألة باختصار أن المشروع الصهيوني لا يمكن التقاطع معه عبر تسوية سلمية، إذ أن التفاوض مع اليهود هو كسب لهم وليس لنا، ومن يتابع استطلاعات الرأي عند اليهود سيكتشف بسهولة أن المجتمع الإسرائيلي ظل، رغم انطلاقة التسوية، يميل نحو التطرف والتشدد بينما مالت شعوبنا، في المقابل، نحو التميع والتفكك. وإذا افترضنا حسن النية فيمن يستعمل التسوية كمناورة في كسب الوقت للبناء والإعداد عليه أن يعيد النظر في سياساته التي قد تكون نتائجها مدمرة على مستوى الوعي.

كسائر العرب في عقليتهم، فمنذ نكبتهم، لا يزال الفلسطينيون يعانون من مشكلة استعجالهم قطف الثمار وكأنها غنائم حروب قبلية، فلو أطلق أحدهم رصاصة أو رمى بحجر لوجدنا عشرات البيانات تتسابق في تبني ما تعتبره عملية ضد قوات الاحتلال، ولو قتل مدني ليس له شأن في القتال ولا أي انتماء تنظيمي أو أيديولوجي لسارعت الفصائل إلى تبنيه وتسابقت فيمن يلفه بعلمه أولا. هذه الظاهرة ما زالت تتوسع بصورة خطيرة جدا بحيث جعلت من القتال ذو طابع حزبي حتى في ذروة المعارك. لكن المشكلة الأعوص هي ربط القتال بالتسويات السياسية والمناورات والمواقف والتحالفات، وهذه كارثة أي كفاح شعبي، إذ يصير القتال أشبه بالمزاد العلني أو بسوق البورصة. وبالتأكيد لو يجري عزل القتال عن تلاعب القيادات السياسية به أولا ثم عن أية استثمارات سياسية ثانيا لاستطاع الفلسطينيون تحقيق نتائج فعلية منذ زمن. لكن مثل هذا الأمر يحتاج إلى جعل القرار السياسي بيد القوى المقاتلة وما تنجزه على الأرض لا بيد القيادات المدنية التي قد تساوم عليه في أية لحظة وتضيعه فيما تسميه مكاسب سياسية وشعبية لا تقدم ولا تؤخر.

وكالعادة، أيضا، ما زلنا نخوض القتال بعقلية الصمود على مختلف المستويات، فنحن صامدون، منذ عقود بلا كلل ولا ملل، في السياسة والميدان، وصامدون ضد هدم البيوت والمطاردات والاعتقالات والأحكام المؤبدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت