فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 69

2)"لا تشكيلي ولا أبكيلك .. حالي من حالك"

لا شك أن بعض التصريحات التي صدرت على وجه الخصوص من الساسة المصريين وشككت في خلفية حضور الكثير من الدول للقمة ووصفها لها بذات المواقف المتاجرة والمزايدة لها ما يبررها ولو أنها قيلت في سياق حق أريد به باطل. إذ أن الموقف المصري ليس طاهرا كي"يزايد"هو الآخر على غيره.

فالمشاركة الموريتانية مثلا كانت تعبيرا عن احتياجات سياسية فرضتها المعارضة الموريتانية على حكم العسكر الذين حضروا بصيغة مكرها أخاك لا بطل، فقد واجه العسكر معادلة صريحة من المعارضة:"طرد السفير الإسرائيلي مقابل الاعتراف بهم حكاما شرعيين في موريتانيا". والمشاركة العراقية كانت عجيبة من نظام سياسي أنشأته ورعته القوات الأمريكية حتى أن نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي حارب المقاومة وتفاخر بكونه أول من أسس الصحوات وأول من دعا لوجود أميركي طويل الأمد في العراق وأول من وقع على الاتفاقية الأمنية ألقى كلمته، في القمة، بحماسة وتلعثم لسانه حتى بدا عقله وقلبه مفتونا بتلبية نداء أمريكا، ولم يعد يدري ما إذا كان حضوره جاء تلبية لنداء غزة أو أمير قطر أو أمريكا، ولا ما إذا كان جالسا جنبا إلى جنب مع عدوه اللدود الرئيس الإيراني أحمدي نجاد صاحب أطول كلمة في القمة!

أما الرئيس الفلسطيني فلم يحضر لأنه تعرض لضغوط بحسب قول الوزير القطري في مؤتمره الصحفي. لكنه لن يحضر لكونه جزء من الحرب على غزة، ولأنه متهم والسلطة بالتواطؤ مع إسرائيل في مهاجمة غزة. ومتهم بامتناعه عن رفع دعوى إلى محكمة لاهاي أو محكمة الجنايات الدولية لإدانة إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني. وأركان السلطة بلا استثناء مشغولون فيما ينتظرهم من أدوار بعد محرقة غزة. ونمر حماد لم يتوانى لحظة واحدة عن تحميل حماس مسؤولية الهجوم وكأن المصيبة التي حلت بالشعب الفلسطيني ليست كافية لإدانة إسرائيل بقدر ما هي كافية لإدانة حماس.

وفيما يتعلق بقطر نفسها صاحبة الدعوة للقمة فما كان من عشيق أمريكا في السلطة الفلسطينية صائب عريقات وربيب إسرائيل إلا أن عايرها بإيوائها لقاعدة العديد الأمريكية الكائنة على مقربة من انعقاد القمة. وهو حق أراد به باطل خاصة وأنه كان وما يزال من أشد المتحمسين للقضاء على المقاومة، وأول من طاولت يده السقف في التصويت على إلغاء ميثاق منظمة التحرير في جلسة رام الله الشهيرة. والراجح أن حماسة قطر في الدعوة إلى القمة وانعقادها ربما يرجع إلى الخدعة التي تلقتها من الأمريكيين والإسرائيليين في عدم ضرب حماس وما سببه لها هذا الموقف من إهانة وحرج أرادت أن تعوض عنهما أدبيا وماديا ببعض المناصرة المالية والسياسية.

وقس على ذلك كثير من المشاركات التي حضرت إما لمصلحة أو لأيديولوجيا أو حفظا لماء الوجه. ولو عرضنا جردة حساب لكان لكل مشارك منهم نصيب. فالغالبية الساحقة من المشاركين إما أنهم حلفاء إستراتيجيون للأمريكيين أو لهم علاقات واسعة النطاق معهم، أو أنهم مرتبطون بمعاهدات سلام مع إسرائيل أو لهم علاقات علنية أو سرية معها، فبأي منطق ينتصرون للمقاومة؟ وضد من؟ أمريكا أم إسرائيل؟ أم كليهما؟ أم غيرهما؟

ومن المثير حقا أن بعض الذين حضروا القمة ممن يوصفون بالقوى الراديكالية كان بإمكانهم فتح جبهاتهم خاصة بعد بشاعة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل والصمود القوي للمقاومة واتساع حجم الإدانة العالمية للعدوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت