في صلب العقيدة القتالية كون هذه الدول هي التي تتحكم في السياسة الدولية وتتأثر بحركة شعوبها. لكن حتى الرأي العام الأوروبي قد لا ينجح في إحداث أي تغيير حتى لو خرج بمئات الآلاف، وستكون مشكلة لو خرج واكتفى بالاستنكار أو الإدانة كما هو حاله خلال الحرب على غزة. وفي السياق نستذكر الاحتجاجات الكبرى التي اجتاحت أوروبا في أواخر الثمانينات ضد السياسة النووية للولايات المتحدة، فرغم خروج مئات الآلاف إلى شوارع المدن الأوروبية احتجاجا على عزم الأمريكيين نشر صواريخ بيرشنغ وكروز النووية إلا أن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك كاسبر واينبرغر قال بصريح العبارة أن هذه الاحتجاجات غير كافية لمنع نشر الصواريخ! وخلال الحرب على غزة سئل الكثير من الأوروبيين عن موقفهم مما يجري فكان الرد بأن لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها. فالإعلام الغربي غيب الحقائق وأخفى معالم الجرائم وكان مماثلا للإعلام الإسرائيلي حيث لم ينقل وقائع الحرب وصور المجازر الوحشية.
لا شك أن الرأي العام سيظل ضعيفا وغير قادر على الإخلال بموازين القوى، ولا يعول عليه ما لم يفرض العسكر تغييرات ميدانية على الأرض تؤدي إلى تحقيق مكاسب بعيدا عن أية تنازلات سياسية أو شرعية. مكاسب وتغييرات تكفي للكشف عن وهن القوة المتغطرسة وحقيقة جرائمها وخسائرها، وتكون قادرة على معاقبة الإعلام الدولي المنحاز لإسرائيل وإجباره على نقل الوقائع الميدانية رغما عنه. وهذا جزء من الاستحقاق الرباني في الحرب ضد إسرائيل. فاليهود ما كانوا ليفسدوا في الأرض إلا بحبل من الله وحبل من الناس. لذا لا بد من العمل على توظيف الرأي العام في إضعاف الحبل الذي سخره الله لهم تمهيدا لقطعه.
أخيرا فإن أخشى ما نخشاه أن يستمر الحال الفلسطيني على ما هو عليه. فهذا يعني أننا سنضطر إلى خوض المزيد من الحروب التي ليس لعقيدتها القتالية أية هوية أو محتوى. ولسنا على يقين من أننا سنتساءل حينها بتعقل ومسؤولية: هل حقا كنا على صواب؟ أم أننا مخطؤون؟
أيا كانت الإجابة فالأوراق العالقة كثيرة وقد تسقط في أي حين ولا بأس إن لم تجد من يلتقطها ...