من الطبيعي أن يقرأ العدو أفكارنا وتطلعاتنا العسكرية جيدا. وكي يرضي طموحاتنا يصرح بين الحين والحين أنه سيجتاح غزة برا، وحتى يجعل من تصريحاته ذات مصداقية نراه يربط تهديداته بعبارات من نوع:"إذا دعت الضرورة"أو أن إسرائيل:"لا تستهدف احتلال غزة"وأظن حقا أنها لا تستهدفها باحتلال جديد! وعليه فلا نستبعد أن يكون العدو بصدد الدفع بالمقاتلين إلى توهم حصول هجوم بري على نحو ما يتمنوه. لكن ماذا لو لم يجتاح غزة؟!! فهل سيواصل القصف فقط وهو يعلم أن القصف الجوي وحده لا يحقق له مكاسب سياسية؟
لست أزعم أنني خبيرا عسكريا، ولست بصدد تقديم نصائح أو تنظيرات لمن هم في الميدان. لكن من المهم أن نفكر بعكس ما يفكر العدو وبعكس ما يريدنا أن نفكر. فإذا استبعدنا اجتياح تقليدي لغزة؛ فما هي الاحتمالات المتاحة أمام العدو؟ هل سيكتفي بتأمين مفاتيح المنطقة ثم يأخذ بالتقدم مستعينا بعملائه أو بقوات فلسطينية مثلا؟ ... وكمثال فقد يلجأ العدو إلى تعريض المقاتلين إلى خطر الإرهاق الشديد، عبر إنزالات جوية وهمية أو حقيقية وفي عدة مناطق وفي وقت واحد، يفقد المدافعين القدرة على السيطرة والتركيز، وتمهيدا لإقامة سيطرات تمكن من فصل المناطق والأحياء عن بعضها وقطع كافة خطوط التواصل والاتصال. ومن ثم يعمد إلى تسليم المناطق المنهارة إلى قوات موالية له.
لذا فمهما كان محتوى التفكير المخادع للعدو في مثل هذه الظروف فسيكون الطرف المقابل ملزما بذات العقلية من التفكير كأفضل وسيلة للدفاع وتخريب خطط العدو. وهذا يعني بالقطع ضرورة المبادرة المدروسة بدقة وعدم الركون إلى التجارب والخبرات التقليدية أو الأماني أو انتظار الخطوة القادمة للعدو. وقد يكون من السهل القول بأن الهجوم، في عقر دار العدو، هو أحد الخيارات المتاحة أمام المدافعين وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن من الأهم القول أن مواضع الخداع ولحظاتها الزمنية تحددها ساحة المعركة بالذات. وثمة شرط حاسم في الحرب الدائرة وهو عدم الالتفات إلى الوضع السياسي أو الاجتماعي أو التفكير بموازين القوى أو انتظار النصرة والعون من هنا وهناك.
يبقى القول أن التعقل والحكمة والشجاعة والإقدام والإيمان والصبر والتوكل على الله وحده عوامل حاسمة في المعارك، لكن حذار من الاغترار والبطولات والاندفاعات العاطفية والهوى.