وبالتالي العالم اكتشف أنّه لا بد أن يُصيغ نظمًا متكاملة من أجل أن يبسط سلطانه على العالم، لا نستطيع أن نقول أبديًا وإن كانوا قد ظنّوها في وقت من الأوقات. كيف ظنّوا أن الصراع قد حُسم إلى أبد الآباد؟ ذلك تجده في كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما؛ ظنّ أنّ المعركة انتهت وأنّ أمريكا هي وارثة حضارات البشرية جميعًا ولا توجد فيها عوامل الاندثار التي وُجدت في الحضارات السابقة فانتهى الصراع وأُغلق كتاب التاريخ وهذه نهاية التاريخ، أُغلق كتاب التاريخ وانتهى الصراع وبقيت فقط مناوشات من المسلمين والبعض من العرق الأصفر وجماعة عندهم نظرية البناء الحضاري والنزوع نحو الآخر والغزو، ولكنّها تحت السيطرة! ظنّوا هذا، ولكنّهم في الأساس أقاموا نظمهم لعدم فتح باب من أبواب النفاذ لخصوم الجاهلية ليخترقوها.
ومن هنا فكل ما يُقال لكم عن أنّ الديمقراطية تستطيع بها التغيير هذه"حمرنة"-كلمة"حمرنة"الكل صار يستخدمها-. الجاهلية لا تعطيك السلاح لتذبحها، الديمقراطية وُضعت من أجل صراع أهل البيت الواحد، وليس من أجل صراع خارج البيت مع أهل البيت فيعطيك بيته! الديمقراطية من أجل ترتيب صراع أهل البيت الواحد؛ صراع (Conservative) الكونسارفاتيف مع العمال، يعني المحافظين مع العمال، الديمقراطيين مع الجمهوريين، أهل بيت واحد. لكن يأتي شيوعي يحكم أمريكا بالديمقراطية؟ ويأتي مسلم من خلال النظام الديمقراطي ليزيل نظام الجاهلية؟! يعني أنا أعجب لمن يفكر هذا التفكير.
ولأنّ الجاهلية ذكيّة لن تعطيك إلا ما يحقق من دمك أسباب قوتها ومناعتها ودوامها، والأمثلة كثيرة لكن كما قالت الضُبّع:"إنّ في فمي ماءً وهل يتكلّم من في فيه ماءٌ؟"، فالبقية عندكم، أنه لم تُفتح الديمقراطية في بلد عربي، الديمقراطية هناك، مأسورة للشعب في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، هي مأسورة بمجتمعاتها لا يستطيع المسلم أن يصنع شيئًا، لكن فُتحت الديمقراطية في بلاد المسلمين من أجل أن تحقق مقاصد الجاهلية. وإذا قيل: هل دخول المسلمين في اللعبة الديمقراطية يقوّي الجاهلية؟ فالجواب أن هذا من أسس الجاهلية، الناس يجهلون أنّ الديمقراطية من أسسها وجود الأغلبية والأكثرية، لا وجود لنظام أو شيء اسمه ديمقراطي إلا بوجود هذا التقسيم: أكثرية وأقلية، لا تُسمّى ديمقراطية دونه؛ فوجودك أنت المسلم المعارض في نظام جاهلي قائم، وجود مسلم مصارع يحقق معنى الديمقراطية التي صارت إلهًا يُعبد ومجرد ذمّه يُعتبر قدحًا.
ويكفي هذا.
فلذلك نقول إن الجاهلية -وهذا الكتاب يثبت ذلك- بسطت سلطانها في كل جوانب الحياة على أسس عالمية -انتبه هذا مهمّ جدًّا-. التفكير الذرّي الذي يعيشه الفقيه لا يصلح لمعالجة مشكلة عالمية، عندما تذهب لشيخ مشغول بمشكلة الفرد