مناقشة كتاب (مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة) لجورج طرابيشي
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وسيّد الخلق أجمعين وإمام المتّقين محمّد بن عبد الله، عليه الصلاة وأتمّ التسليم وعلى آله الطيّبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإيّاكم منهم، آمين.
إخواني، سيكون الحديث عن هذا الكتاب وهذه الجلسة الثالثة، وهذا هو الكتاب الرابع الّذي نناقشه على الطريقة الّتي جرينا عليها، لكن سيكون الحديث هنا في هذا الكتاب على عدّة محاور، وهذه المحاور مهمّة. أوّلها سأتكلّم عن أهمّية هذا الكتاب، ليس باعتباره الخاصّ ولكن باعتباره نموذجًا ومثالًا من الأمثلة الّتي ينبغي أن يهتمّ لها القارئ المثقف، وهي قاعدة من قواعد القراءة، وأنا ذكرتها في كتابي (فنّ القراءة) عسى الله -عزَّ وجلَّ- أن ييسّر لي إيجاده؛ لنشره.
وهي قاعدة أنّ القراءة تولّد القراءة، هذه قضيّة مهمّة. البنيويون يقولون النصّ لا ينتج نصًّا، هذه سنناقشها. هم جماعة يعيشون في الوهم ويعيشون في الخلال يعتبرون أنّ النصّ ليس خطابًا خارجيًا لا يوحي بشيء للقارئ ولكنّه ذاته. هذه قراءة جنونية؛ لأنّ الكلام وُضع من أجل الإبانة عمّا في نفسك عند الآخرين. فهذه مهمّة القراءة، مهمّة الكتابة، مهمّة الكلام، مهمّة ما يقوم مقام القراءة والكلام أي الإشارة عند غياب الكلام، ما المقصود بها؟ المقصود هو أن يبين الرجل عمّا في نفسه كما قال الفاروق -رضي الله عنه-:"زوّرت في نفسي كلامًا". هو في نفسه كلام أراد أن يقوله، فهذا هو الإبانة، هذا هو البيان. وهو أن يبين المرء عمّا في نفسه.
ولمّا كانت القراءة لا تُعقل إلّا بقراءة، هذه قضيّة مهمّة. القراءة لا تُعقل إلّا بقراءة تقع عليها، وهذه الكلمة لها تفاصيل وتفاريع كثيرة، أهمّها ممّا نحن فيه وهو أنّه لا يصح لأحد أن يقرأ كلامًا دون أن يقرأ كلام المعارض.
إذًا القراءة أو الكلام لا يعيش في المطلق وإنّما يعيش في النسبيّ. ليس كلامًا مجرّدا، هو يعيش في النسبي، يُقبل ويردّ، يُقيّد ويُخصّص إلى آخره. ولذلك لا بدّ أن نقرأ بعض الكتب لكن لا بدّ أن نقرأ ما يقابلها. ومن هنا القراءة تلد قراءة. أنت عندما تقرأ كتابًا فإنّه لا بدّ أن توحي لك هذه القراءة بالذهاب إلى كتاب آخر.