فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 715

مناقشة كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسانٍ وهدىً وتقىً إلى يوم الدين، جعلنا الله وإياكم منهم آمين آمين.

هذا هو الكتاب الثاني عشر من كتب المختارة لمشروع"ألف كتاب قبل الممات"، وهو كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز الفرنسي، وهو كتاب يخضع -كما يقولون- يخضع إلى كتب المذكرات.

من الأمور التي نشأت في تاريخ العلوم النمطيَّة، ماذا نقصد بالنمطية؟ أنتم تعرفون أن الثقافة في أساسها إنما تكون بحسب الواقع، يعني حتى الأمر التصوُّري لا يمكن أن ينشأ إلا بسبب واقع. والشيخ الجرجاني -رحمه الله- في كتابه (دلائل الإعجاز) يقول:"بأن الإنسان تنشأ معارفه مادية ثم ترتقي إلى التجريب"، ويقول:"وهذا خلاف ما عليه نشأة آدم -عليه السلام-، فإن آدم عُلّم ثم عُرضت عليه الأشياء"، ولا أريد أن أناقش هل حقًا آدم عُلِّم الأسماء قبل أن يدرك الأشياء -عليه السلام-، أم أنه تعلم الأشياء ثم علم أسماءها؟ فالتقى التصور الذهني على اللفظ اللساني؛ لأنه كما يقول علماؤنا: لكل شيء أربعة وجودات؛ الوجود الأول هو الوجود الحقيقي، الوجود الثاني هو الوجود الذهني تصور، الوجود الثالث هو الوجود اللفظي، الوجود الرابع هو الوجود الكتابي.

كل واحد له وجود والأصل أن تتوافق، وبلا شك أن الأغلب فيها هو الوضع الإلهي، هذا الذي نعتقده أنها كلها فيها وضع إلهي. فهل وُجدت الأسماء في ذهن آدم ثم وُجدت الأشياء؟ أم وُجدت الأشياء تحت بصر آدم فحصل لها التصور الذهني الذي ارتبط مع {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فصار لها وجود لفظي في لسانه؟ هذه قضية نتركها ونؤجل البحث فيها -إذا قدّر الله- إلى شرح سورة البقرة؛ لأن سورة البقرة تعلمنا هذا تعليمًا عظيمًا.

لكن الاتفاق على أن الإنسان تبدأ معارفه بالنظر إلى الأشياء ثم ترتقي إلى الأسماء ثم ترتقي إلى التجريب ومنها التركيب؛ يعني كيف الإنسان صنع الشاي؟ بالتركيب، لا بد أنه أخذ الشاي الذي هو الورقة ثم غلاها بالماء فركبها مع الماء والسكر ثم يمكن أن يضع النعناع وهكذا، لكنه أولًا وُجد الشيء أمامه ثم وُجد الاسم ثانيًا، والأسماء تبع للأشياء، ولذلك القاعدة اللغوية هي قاعدة الأعرابي؛ قيل له: ماذا تُسمُّون ماء الطعام عندكم؟ قال:"السَّخين"، قالوا: وإذا برد ماذا تسمونه؟ قال:"لا ندعه حتى يبرد"؛ فإذًا القاعدة أنه لا ضرورة لوجود لفظٍ اسمي دون وجود حقيقة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت