فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 715

ومن هنا هذه المسألة هي التي تحل لنا إشكال إذا قال بعض العلماء من قدمائنا -وهم علماء لغة ولا شك- أن"الإستبرق"كلمة أعجمية، وأنا أصدق هذا ولكنها عُرِّبت، لماذا؟ لأن العرب لا يعرفون الإستبرق فلما جاء الإستبرق إليهم خرج اسمه، ومعنى عُرّبت هو كما يُعرِّب الغرب أسمائنا بدل أن يقول:"عمر"يقول:"Omar"، تشرشل له كلمة يقول:"نحن يحق لنا أن ننطق الأسماء كما نحب"، هذا هو منطق الغالب.

القصد بأن الأشياء تبدأ بالوجود البسيط السهل ثم تبدأ بعد ذلك تُركّب، هذا في كل العلوم. والتجريد الذهني مهم جدًا، لأنه منطلق الصناعات، منطلق التركيب، يعني الذي به يتم الصناعة والاستنتاج والبحث وإدراك حقائق الأشياء ولو اجتمعت ماذا تصنع من التفاعلات، إلى غير ذلك.

فهذا العالم أصلًا هو عالم بسيط، لكنه بعد ذلك يرتقي إلى علوم متعددة، وأريد أن أقول: بأن الأصل هو أن تُجمع الأشياء كلها في سياق واحد ولذلك لو صح -وإن كان لعلمائنا رأي آخر- أن المرء يأكل ويشرب كما قال الله -عز وجل- في سورة طه -حينما جمع العريّ الداخلي بالعريّ الخارجي-: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} فالعلماء وقفوا: لماذا هذا الجمع؟ يمكن أن يُقال بأن القضايا هي بحسب الحاجة، والحاجة هي البساطة في الأمر، فيمكن أن يقال: لا ضرورة لهذا التركيب لأن الحياة هي ببساطتها وكل شيء يكون على جهة واحدة، ويمكن أن يُقال شيء آخر كما قال شاه ولي الله الدهلوي في كتابه (الفوز الكبير في أصول التفسير) :"بقي القرآن حيًا في النفوس حتى شُقّت الشعرة شقّين عند المناطقة أهل الكلام فصنعوا تراكيب عقلية أبعدت عنه الوهج الفطري الأوَّلي الذي تُحدثه الكلمة بهزتها في داخل النفس البشرية، عند العرب"؛ أقول هذا لأن العربي حينما كان يقول الشعر لم يكن يهمه بأن يجعلها قصيدة رثاء، ولم يكن يهمه أن يجعلها قصيدة فخر، بحيث نقول: هذه قصيدة فخر أو هذه قصيدة رثاء، وهذه قصيدة مدح، وهذه قصيدة ذكرى، وهذه قصيدة حب وغزل.

فالعربي لم يكن يهمه مثل هذا التبويب، متى تنشأ النمطية؟ بعد أن تكثر العلوم وتبدأ الدراسة للعلوم، أما في لحظة النشوء فهي على حالة واحدة من الاجتماع والانسياب. ولذلك نستعير هنا كلمة للشيخ محمود شاكر في كتابه (نمط صعب ونمط مخيف) لما يأتي إلى قصيدة ابن أخت تأبط شرًا -كما حقق هو وإلا فهي في كتاب (الحماسة) لأبي تمّام يضعها لتأبّط شرًا-، وفيها:

إنَّ بالشِّعْبِ الذي دُونَ سَلْعٍ ... لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يَطِلُّ

يقول:"المشكلة أن البعض أخطأ عندما وضعها ضمن النمطية"؛ والنمطية هي أن تحدد نوعية المقالة أو نوعية الوجود أو نوعية الفكرة، هذه نمطية. ومن هذا الكتب، وأنا ميشتُ معكم كل هذا لأقول: إن كثيرًا من الكتب من الخطأ أن تضعها في نمط، لأنك إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت