وضعتها في نمط أفسدت جوهرها، كما أنك إذا جئت إلى قصيدة جاهلية تجد فيها الغزل وتجد فيها الرثاء، وتجد فيها التفجُّع، وتجد فيها الوقوف على أطلال الحنين، فأين تضع هذه القصيدة؟ هي خليط إنساني، تعبر عن الإنسان في أشواقه، في ذكرياته، في حنينه، إلى غير ذلك.
لذلك أنتم ستجدون هذا في داخل الكتب، أين تضع هذا الكتاب؟ يعني الآن أين نضع كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلَّام، هل نضعه في كتب وزارة المالية؟ أم نضعه في كتب الفقه؟ أم نضعه في كتب السياسة والحكام والسلطة والأعمال السلطانية؟ أين نضعه؟ كتاب فيه كل هذا. وتلك طريقة القرآن وهي الطريقة التي تعالج الإنسان على اعتباره كله من غير هذا التبويب والنمطية.
متى تنشأ النمطية؟ تنشأ بعد استقرار العلوم من أجل دراستها ومن أجل تسهيل العلوم. لكننا يجب أن نعلم ونتعلم أن النمطية ليست دقيقة، نضطر إليها كما نضطر إلى القواعد الفقهية لأننا نريد أن نعرف ما هي ضوابط الشرع، ويبقى هناك ما يخرج عنها، ولكننا في النهاية نضطر إليها. ولكنك حين تحتاج إلى الدراسة لا بد أن تدرس الفرع ولا تخدعك القاعدة بحيث تُلغي ذاتية هذا الفرع، وما فيه من خصائص.
يعني عندما تقول: هذا كتاب ذكريات في فن القراءة، عندما تقول هذا كتاب ذكريات أو مذكرات عليك أن لا تلغي أنه كتاب يدخل في علم النفس أيضًا، عليك أن لا تلغي أن الرجل وهو في الذكريات يُقعِّد قواعد علمية في المسألة التي شغلت حياته وجعلته مختصًا فيها، هذا لا ينبغي أن يُعميك عن هذا. وهذا يعيدنا إلى نقطة -تقدَّم الكلام حولها- وهي: أن النص ينتج نصوصًا، وبالتالي هذا الكتاب أين تضعه؟ تضعه في المذكرات، تضعه كما وضعنا كتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ ضمن الدراسة الاجتماعية لحالة المسلمين زمن الحروب الصليبية، وهو كتاب مذكرات -كتاب أسامة بن المنقذ-، لكننا وضعناه ضمن هذا الإطار، ويمكن أن يُنتج معارف أخرى؛ كطرق تربوية، ويمكن أن ينتج حالة نفسية، كيف يتعامل الناس مع الآخر، ما هي نظرة المسلمين إلى الآخر الصليبي.
بالتالي إياك أن تقرأ النقد قبل أن تقرأ الكتاب، وبالتالي إياك أن تنظر إلى العنوان العام قبل أن تقرأ الكتاب، اقرأ الكتاب كما هو، كما كتبه صاحبه على الأمر الذي كتبه. وصدقوني في الأغلب أن القلم يغلب صاحبه، -وهذه ضرورة في فن القراءة-، القلم يغلب صاحبه بأن ما يكتبه المرء تنفلت منه ما لا يحب، مثال ذلك: أنت تستطيع أن تدرك أن هذا الكاتب مغرور مع أنه يريد أن يتخفّى وراء التواضع، هو لا يريد أن يظهر غروره، لا يريد أن يظهر حقده، هو يريد أن يُظهر نفسه بمظهر العادل المنصف، والقلم يغلبه ويُفرز كلامًا تعرف منه دلالة الحقد ودلالة الغيظ، أو دلالة الحسد، أو دلالة محبة الذات والأنانية.