مناقشة كتاب (سيكولوجية الجماهير) لغوستاف لوبون
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.
هذا هو اللقاء لدراسة الكتاب السابع من مشروع الألف كتاب قبل الممات. واليوم الكتاب المختار والذي نحن بصدده هو كتاب (سيكولوجية الجماهير) أو (علم نفس الجماهير) لكاتبه عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون. وكالعادة نبدأ بمحور القراءة؛ أردت أن أتكلم اليوم عن جنايات القراءة وهذا فصل غريب، أن يكون للقراءة جنايات وضحايا، وهذا فصل قصير من كتابي (فن القراءة) ابتدأته بقولي:"هو فصل إن قُلت هو كالجد أشبه بالهزل، أو هو هزل أشبه بالجد، فيُمكن أن تُطبِّق عليه ما شئت".
فإن الكثير من الناس فقدوا زوجاتهم بسبب القراءة! فإما أن يُضيَّع ماله، أو هي تراه قد ضيَّع وقته فهي تطلب الطلاق، وربما تحرق المكتبة كما وقع لبعضهم. وربما الكتب تسقط عليه فتقتله كما فعلت مع الجاحظ كما يُذكر في سبب وفاته. وإما أن القراءة تقتله كما قتلت إمامنا وإمام المؤمنين في الحديث وهو الإمام مسلم. المعروف أن هذا الإمام مات بسبب أنه روجع في حديث فأراد أن يرجع إليه في كُتُبه، فذهب من المسجد بعد العشاء إلى البيت، وقال للخادم أوقد السراج وأحضر شيئًا من التمر، فجعل يُقلِّب الأجزاء الحديثية ويقلّب الاختيارات والمباحث ويأكل من التمر، فما جاءت عليه صلاة الفجر حتى مات وهو لا يدري أنه يأكل لانشغاله بالفكرة عن الجسد.
وهذا ما سنقرؤه لابن حزم أن الوعي يبدأ بانعتاق الفكر عن الجسد. فلا أريد أن أتحدث عن هذا ونؤجل البحث فيه -أي في مبحث جنايات القراءة- إلى لقاء قادم -إن شاء الله-.
ولكني أقتصر الحديث اليوم على قراءة لابن حزم في أمر يتعلق بنا في معرفتنا، وفي تصورنا كيفية بناء العالم نفسه؛ لأن هذه القضية اليوم تعاني من ضعف وجهل.