مناقشة كتاب (الحضارة) لحسين مؤنس
إنّ الحمد لله تعالى، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المحجَّة البيضاء والطريق الواضح، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك ولا ينكّبها إلا ضالّ.
أمّا بعد أيّها الإخوة الأحبّة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نعود بعد انقطاع دام من قبل رمضان إلى يومنا هذا، وهو انقطاع كلّفناكم فيه ببعض الأمور وبعض القراءات والكتب الّتي تحتاج إلى وقت طويل لقراءتها مثل كتاب الشيخ مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والدين من ربّ العالمين، وهو كتاب مهم، وقراءة كتاب العواصم والقواصم لابن الوزير اليماني، فهذه كتب طويلة وتحتاج إلى قراءة مستوعبة، والقراءة المستوعبة تحتاج إلى وقت طويل، حتّى لا نفتتح هذا اليوم الّذي هو يوم تجربة للناس للحضور إلى البيت، ولعودتهم وإخبارهم عن طريق أدوات الاتصال الإلكترونية؛ فأردنا أن نفتتح هذا اليوم كتابا، صحيح هو صغير الحجم، لكن الموضوع الّذي يطرحه هو موضوع شاقّ ومتعب، وإذا وجدتم أيّ تقصير فهذا الّذي حضرّت نفسي له، وسيكون هناك تقصير شديد في عرض هذا الكتاب؛ لأنّ الموضوع عظيم، ليس لأنّ الكتاب شاقّ لكن؛ لأنّ الاستدلالات الّتي يطرحها الدكتور الأستاذ حسين مؤنس -رحمه الله- هي مواضيع شاقّة ومتعبة وأدلّتها تحتاج بنفسها إلى حديث.
موضوع الحضارة عندما يتحدّث عنه متحدِّث فإنه يستدلّ بأمم وأخبار وحوادث، والاستدلال بالحوادث والأخبار هي جزء من منظومة الدارس، كيف يدرس التاريخ؛ لأنّه كما سيتبيّن لنا أّن الحضارة لا يمكن أن تُفهم وتدرس خارج سياق التاريخ، والتاريخ هو أحداث، زمن في داخله إنسان في داخله أحداث، وقائع في داخلها مكوّنات مادية، في داخلها مكوّنات معنوية، هذا الدارس لهذا التاريخ لابدّ أن يصبغ الحدث التاريخي بصبغته الفكرية، فإذا كان إسلاميًا سيدرس التاريخ قراءة دينية متعلّقة بالإيمان والوحي، متعلّقة بقيم الأنبياء، وإذا كان فيلسوفًا مثاليًا سيقرأها من خلال الإنسان باعتباره مؤثرًا، الفلسفة المثالية هي