مناقشة كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) لمصطفى صبري
الحمد لله حمدًا طيّبًا كثيرًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيّد الخلق والمرسلين وإمام المتّقين حبيبنا محمد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسانٍ وهدىً إلى يوم الدين، أهلًا وسهلًا بكم في لقاء أو عرض كتاب شيخ الإسلام للدولة العثمانية، وهو آخر شيخ إسلام للدولة العثمانية مصطفى صبري، وهو آخر كتاب له.
طُبع سنة 1950 والكتاب الشهير الكبير موقف العقل والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، هنا ربّما يكون الحديث عن شخصية الشيخ موازيا للحديث عن الكتاب، والسبب؛ أنّني أقول ابتداءً أنّ هذا الكتاب لا يُرجى منه أن تذهب إليه من أجل أن تستخلص مسألة علمية خاصّة، فالكتاب لا يصلح لهذا في هذه الأيّام، فلو أراد أحد طلبة العلم أن يفهم مسألة علمية ما في هذا الكتاب، سواء كانت تتعلّق بالمسائل العقدية التصوريّة أو المسائل الفقهية، فإنه لا يقدّم شيئًا كثيرًا، ولكن فائدة هذا الكتاب تعود إلى رصد ظاهرة وإلى تاريخها، فهذا الكتاب يعدّ حلقة من الحلقات المهمّة في الصراع الإسلامي في داخله، ويُقصد بصراع الإسلام في داخله أنّ هذا الكتاب لا يصارع أعداء الإسلام في خارج دائرة الإسلام، يعني هو لا يناظر النصارى لا يناظر اليهود لا يناظر العلمانيين أصالةً خارج دائرة الإسلام، فقطعًا صاحبه لم يضعه لهذا المقصد و لكن في النهاية هذا الذي آل إليه هذا الكتاب.
هو وضعه من أجل أن يبيّن مسائل علمية يريد أن يناقش هذه المسائل ويردّ عليها، يُظهر ما تبنّاه من عقائد ومسائل، ويردّ على بيئة موجودة سنتكلّم عنها في هذه الحلقة. ولكن لا أنصح أن يُذهب لهذا الكتاب من أجل الاستدلال بمسألة علمية، فالكتاب لا يصلح لهذا من أوّله لآخره، من أراد أن يعرف الظرف التاريخي الّذي عاشه أهل الإسلام عندما انهزم المسلمون في معركة ما يسمّى الاستعمار أو الاستخراب أو الخراب أو الاستحمار كما يسيمها علي شريعتي، كان هناك توافق بين هذا الانهيار العسكري وبين الانهيار العلمي، تمثّل هذا الانهيار العلمي في أكبر مؤسّسة دينية في ذلك الوقت وهي الأزهر، فهذا الكتاب يرصد هذه الأحوال، ويرصد الرموز الّتي قامت في هذه المعركة، وكيف أخفقت وكيف نجحت وكيف تمالأت مع التيار الفكري التغريبي الّذي قدم إلينا مع جحافل العساكر إلى بلادنا.