فلذلك أقول وأعيد وأكرر هذا الكتاب لا تذهب إليه من أجل أن تعرف مسألة علمية، إنّما تذهب إلى هذا الكتاب من أجل أن تقرأ حقبة تاريخية ما، ماذا حدث فيها؟ من هم رموزها؟ هؤلاء الرموز ماذا يقولون ماذا يتكلّمون؟ النقطة الأولى أنّ شخصية هذا العالم شخصية عظيمة نحن بحاجة إليها، ربّما نستغني عنها في ظرف تاريخي قادم لكن لا يمكن أن نستغني عنها باعتبارها نموذجًا للعالم الّذي يعيش عصره وواقعه، ويحارب فيه ويصبر على لأواء ومحن وابتلاءات ومغامرات الزمن الّذي يعيش فيه، فلذلك أنا أدعو طلبة العلم أن يُبرزوا هذه الشخصية باعتبارها حلقة مجاهدة، الشيخ مصطفى صبري حلقة مجاهدة من حلقات أهل العلم الّذين عاشوا لدينهم مع استطاعتهم أن يعيشوا لدنياهم؛ لأنّ مصطفى صبري -رحمه الله- كان باستطاعته أن يعيش منعّمًا وأن يعيش كما يعيش بقيّة المشايخ، كما يعيشون الآن أي يمالؤون السلطة، يعيشون في داخلها، تبتلعهم الأنظمة الجديدة فيدخلون في داخلها ويزعمون أنّهم يحسنون صنعًا، ويزعمون أنّه ليس بالإمكان أبدع ممّا كان -مع أنّ هذه العبارة غزالية ليس بالإمكان أبدع ممّا كان: يناقشها في دعواه على قضيّة قدرة الله-، ولكن الآن صارت هذه عبارة أشمل من هذا المفهوم، أنّه ليس بالإمكان أبدع مما كان، بمعنى أنّنا لا نستطيع أن نعمل أكثر مما عملنا، فهذه الشخصية هي شخصية مجاهدة، فيها إخفاقات عصرها وهي وارثة لإخفاقات منهج المتكلّمين الّذي تبنته المدرسة الإسلامية الرسمية سواء في الدولة العثمانية أو المدارس الدينية الموجودة في ذلك الوقت كما سنبيّن هذا قريبًا حينما نمرّ عليه.
فهذا رجل أبوه من أهل الإسلام وهو كذلك عالم، لكن عالم كما يقولون على مستوى معيّن، فدفعه والده لطلب العلم وأرسله إلى الأناضول، وهناك نشط لطلب العلم وبرز هذا الرجل، وفي العشرين من عمره قُدّم ليدرّس في مسجد إسطنبول، وهذا منصب كبير جدًّا، وبعد ذلك اختير مدرّس للحضرة السلطانية، وهذا منصب كبير له، وترقّى هذا الرجل مع صراعه لتلك الفترة، هذه الفترة الزمانية الّتي عاشها الإسلام في زمن هذا الشيخ هي فترة عصيبة، الدولة العثمانية برمّتها الإسلام بمنهجه حورب، والدولة العثمانية كانت محاربة، وهذا الرجل من أعجب ما قرأت له إدراكه العجيب لمفهوم الأمّة وأوّل كتاب ألّفه: النكير على منكري النعمة في الدين والأمّة، والعجيب أنّ هذا الرجل أدرك أنّ قوّة أيّ حكومة أو قوّة أيّ دولة يكمن في داخل الأمّة وليس في قوة العسكريين، وهذه عجيبة أن يدركها هذا الرجل بهذا الإدراك الواعي.
المنتشر للأسف بيننا أنّه كلّما كان الجيش قويًا كان النظام قوّيًا، والشيخ يرى أنّه كلّما كان الجيش قويًا كلّما كان النظام متهاويًا وألعوبةً بيد هؤلاء العسكر، والتاريخ بعد ذلك أثبت هذه النظرية، ويقول بأنّ سبب فساد وانهيار الدولة العثمانية