وسقوط قيمة الخلفاء هو تغوّل العسكر، حيث صار القادة العسكريين كمدحت باشا وغيره صاروا يتلعّبون بالخلفاء يرسلونهم ويذهبونهم والأمّة مغيّبة، ونحن رأينا بعد ذلك وإلى الآن نرى أنّ العسكر هم سبب الشقاء، كما رأينا في آخر تجربة، تجربة مرسي أنّ العسكر هم سبب الشقاء وأنّ تدخل العسكر وتدخل قوّة هذا الأمن الّذين يعدّون للحفاظ على هذه الأمّة، دخولهم في الصراع مع الأمّة وفي اختبارات الأمّة وأن يصبحوا هم أهل الحل والعقد هذا فساد ودمار، والأحزاب العلمانية أخذت هذا المفهوم وخاصّة البعثية والقومية والناصرية -إذا كان هناك شيء اسمه الناصرية- فإنّها أخذت أهمّية هذا الجيش، المهمّ أن تسيطر على هذا الجيش ويصبح بيدها بعد ذلك أنت تلغي كلّ شيء، تلغي الأمّة وتلغي العلماء وتلغي أهل الحل والعقد، المهم أن تكون القوى الأمنية طبعًا الجيش وما يفرزه من قوى أمنية سواء كان من أمن عام أو مخابرات، ولكن الجيش هو العصبة الأولى في هذا الباب.
فالشيخ عاش في داخل معمعة الإسلام، وكان قريبًا من السلاطين، السلطان عبد الحميد كان قريبًا منه، السلطان رشاد كان قريبًا منه، وفي الدولة العثمانية كان هناك صراع كبير ما بين الاتحاديين الّذي تبنوا الأفكار الغربية وجماعة الاتحاد والترقي من أجل أن يدمّروا الدولة العثمانية، وكان الخليفة مجرّد صورة، والاتحاديون يعبثون في مصادر صنع القرار ومنها مجلس المبعوث الّذي هو كمجلس النواب، فكان ممّا صار عليه الجميع، نحن عندما نلقي نظرة في التاريخ، نجد أنّ المطالبة بتكوين مجلس نوّاب نجد أنّه مطلب لإصلاحيين حقيقيين فيهم نزعة التأثر بالغرب ولكنّهم على الجملة أهل إخلاص، وكذلك نرى هذا المطلب من أعداء الإسلام، فمثلًا لو رأينا الكواكبي في داخله هو يتحدّث من منطلق الإسلام، وهو يرى أن الإسلام هو المرجع ولكنّه يتكلّم عن الاستبداد، وكان يطالب بمجلس مبعوثيان وكان الاتحاد والترقي الّذين هم أعداء الإسلام يطالبون بوجود مجلس مبعوثيان بمعنى مجلس نواب في المفهوم ولكن في داخل دولة إسلامية، قد كان موجودًا ولذلك كان يدخل فيه العلماء، ونبّه الشيخ في كتابه النكير على منكري النعمة على أنّ العلماء الّذين يتخلّون عن مقام المقارعة والمصارعة في هذه الأبواب السياسية أي في تقويم الأبواب السياسية، شأنهم شأن الخلفاء الّذين يتخلّون عن سلطاتهم في إصلاح الأمّة وقيادتها نحو الحقّ.
يعني يضع العلماء الّذين يتخلّون عن المعارك السياسية بإزاء السلاطين الذين يتخلوّن عن مقام إصلاح الأمّة وقيادتها، ولذلك عاش هذا الرجل مطاردًا، وحارب الكماليين، وبعد ذلك اكتشف الناس الاتحاد والترقي، اكتشفوها ليس لقلّة دينها للأسف، يعني عندما نقرأ مقالات الّذين يحاربون الاتحاديين أغلب محاربة الخصوم لهم هو محاربة لأجل اضطهادهم وعلوّهم