مناقشة كتاب (الأخلاق والسير في مداواة النفوس) لابن حزم
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين، حبيبنا وإمامنا وهادينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدىً وتقىً إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.
أهلًا وسهلًا بكم مع كتاب جديد من مشروع"ألف كتاب قبل الممات". واليوم مع كتاب الإمام الفحل العظيم أبي محمد علي ابن حزم الظاهري الأندلسي -عليه رحمة الله-. هذا الكتاب هو المسمى بـ (مداواة النفوس) أو (الأخلاق والسير) .
هذا الكتاب له أثر شخصي عليّ، وقد تأثرت مبكّرًا بهذا الكتاب، وهو من الكتب التي في بعض مواطنه -مع صغر حجمه- قد أثّر عليّ طيلة حياتي. وكثيرًا ما أُصاب بحالات لا يكون العلاج لها إلا بهذا الكتاب وبما قاله.
فمن الأمانة أن أذكر أن ابن حزم هو إحدى الشخصيات التي صاغتني وربَّتني، ولي خبرة شديدة معه وعشت مع كتبه مُنقّبًا ومحبًّا ومعجبًا به. وليس من العدل الآن أن أفتح النار عليه فيما أخالفه فيه، ولكن ابن حزم لا بد أنه يُشغف به طالب العلم المبتدئ الشادي للعلم.
أنا لا أظن أن طالب علم مبتدئ في عصرنا ممّن نبذ التقليد ابتداءً تحت دعوى (السلفية) إلا وكان له وجهة لقراءة كتب ابن حزم. وابن حزم شخصية آسرة مثل الثقوب السوداء؛ تجذب من دخل إليها وتأسره. وكما قال ابن عربي المالكي عن شيخه الغزالي أنه دخل في جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج، وكذلك قارئ ابن حزم يدخل جوف ابن حزم ولا يستطيع الخروج. يحتاج إلى علم خاص حتى يستطيع أن يخرج من جوف ابن حزم.
ولما كتبت في (فن القراءة) بعض مزالق القراءة ومنها أن يكون بينك وبين الكتاب حجاب حاجز لئلا يبتلعك، كان ابن حزم حاضرًا في ذهني، مع شخصية أخرى في هذا الباب لا أُعرّج عليها الآن، لكن كنت أقصد هذا الإمام الفحل، أنك عليك حين تقرأ لابن حزم أن تجعل بينك وبينه ستارً لئلا يبتلعك.