ابن حزم شخصية قوية، حتى إنه سُمّي بمنجنيق المغرب أو منجنيق الأندلس؛ لشدة قصفه وتأثيره في قارئه وفي واقعه. وما زال ابن حزم يُعمل هذا الأثر. وكثيرٌ من أهل العلم الذين قرأوا له تأثروا به. العز بن عبدالسلام قال:"ما طابت لي الفتوى حتى قرأت (المحلّى) لابن حزم و (المغني) لابن قدامة". ابن القيم نراه متأثرًا من ابن حزم حتى وهو ينتقده، ولكن نرى التأثر واضحًا بابن حزم. ابن تيمية من المتأثرين بابن حزم حتى مع انتقاده،
ابن تيمية انتقد ابن حزم في بعض المواطن؛ في مسائل الأسماء والصفات، ومسائل التعبير لأفعال الله ولشرعه، ويرى أنه تأثر ببعض مناهج المتكلمين، إلا أننا نستطيع أن نقول بأنه معجب بابن حزم في بعض اختياراته الفقهية، وتجد هذا النَّفَس في بعض ما اختصّ به ابن تيمية من المسائل التي انفرد بها عن مذهبه، أو عن مذاهب الأئمة الأربعة المشهورة.
فابن حزم شخصية قوية آسرة، ومن يدخل فيها لا بد أن يتأثر بها. ولذلك أنا في الابتداء أدعو كل طالب علم أن يحذر من هذه القوة الآسرة فيه، وأن يقرأه مع وجود فجوة ومساحة من عدم الذوبان فيه بالكلية.
وسبب سطوة ابن حزم اللغة القوية. وأنا أنبه هنا على نقطة مهمة جدًا: كلما كان صاحب الدعوة قويًّا في دعواه؛ كلما كان تأثّر المقابل به قويًا. وكلما كان الرجل متميّعًا في قضيته كلما كان هناك تردد في قبول كلامه.
عندما يرتفع صوت العلم ويرتفع صوت المنطق في الكلام وتجمع الأدلة بقوة وتبدأ في تحطيم الآخر؛ الناس يستمعون لك. ولو قارنّا هذه القضية بدعوة الأنبياء لوجدناها مهمة؛ فإن قوة الأنبياء في قولهم إن الحق الوحيد هو معنا. ربما هذه اللغة لا تنفع في مسائل الفقه، لكنها أحيانًا ضرورية؛ فإن مجرَّد وجود"أن هناك ثمة خلاف في المسألة وهذا خلاف مُعتبر"، يُسقط قيمة كلامك عند الناظر. أنا لا أتكلم هنا عن ما هو الحق وما هو الباطل، أتكلم عن طبيعة الخطاب، متى يكون مؤثرًا ومتى لا يكون مؤثرًا.
وابن حزم لا يطرح المسألة من مسائل الفقه ويجعل للمخالف فيها مجالًا أنه يملك بعض الحق، ابن حزم لا يعرف هذا.
وهذه طريقة في الفقه غير سديدة بلا شك، العلماء لا يجزمون في كل مسألة بأن الحق معهم، وإنما نجدهم قد يقولون: هكذا وصلني وأترك الآخر ليبحث. هذه اللغة نجدها في كلام الشافعي في (الأم) ، في كثير من المسائل يتوقَّف، في كثير من المسائل يُعطيك عدم اطمئنان لما يقوله بعبارة ما. علاوة على الآخرين، يعني لو تأتون إلى كتاب الغزالي (المستصفى) تجدونه شكّاكًا،