فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 715

وأنا المتكلّم ابن القراءة، ما تعرّفت على كتاب إلّا وكان المعرّف لي لهذا الكتاب كتابا آخر. بعض الكتب بلا شكّ نُصحت بها من الآخرين، وهناك كتب ذهبت إلى المكتبة فتشت عنها وأخرجتها، ولكنّ عامّة ما قرأته إنّما نتج من القراءة. وأنا ابن القراءة، لا أعرف ابن تيميّة ولا أعرف ابن القيّم. في الصف الرابع الابتدائي بدأت همّتي للقراءة في الكتب، وإلّا فقبل هذا العمر كنت أقرأ كل ورقة تقع مرمية على الأرض، كل مجلّة، كل كذا فأقرأها، لكن في الصفّ الرابع في العاشر من عمري قرأت كليلة ودمنة وبدأت.

ثمّ مثلًا تعرّفت على مصطفى صادق الرافعي بما قرأته في طه حسين، فهناك عدوّ له مخالف له. ولم أعرف ابن تيميّة إلّا من خلال قراءتي لابن القيّم. فالقراءة تولّد القراءة.

أنا نشأت تبليغيًا في بداية التدين، وهي مرحلة لاحقة عن مرحلة القراءة، وأحبّ كتب ابن القيّم أجدها في المساجد مبثوثة أقرأها، بعض النّاس في بيوتهم يوجد مثل هذه الكتب؛ لأنّها كتب رقائق. دائمًا الشيخ الثاني ابن القيّم يقول قال شيخنا، هذا رأي شيخنا، إلى آخره، من شيخك هذا فبدأت أبحث؛ حتّى تولّد لديّ قراءة أخرى. فالقراءة تولّد القراءة، هذه يجب أن تفهمها.

فلا يكفي أن تسمع فقط، لا بدّ أن تسمع رأي المخالف. وهذه القاعدة الأساسية لمّا سمّيتها لكم بالقراءة الجدلية؛ لأنّها قراءة تنشئ قراءة. وهذه القراءة قد تكون موافقة، قد تكون شارحة، قد تكون مخصّصة، وقد تكون ناقضة. وهذا شيء مهم.

ومن هنا ندخل إلى قضيّة مهمّة أيضًا، وهي قضية الجدل في التاريخ الإسلامي. أوّل كتاب جدلي بالمفهوم العلمي هو القرآن، فقد قال لنا حجج المخالفين وردّ عليها {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ، {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} . فقد ذكر لنا إمام المجادلين بالحقّ ضدّ الباطل وهو إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، كيف ناظر قومه، وكيف ناظر النمرود، إلى آخره. وهكذا موسى عليه السلام ناظر فرعون، والأنبياء ناظروا أقوامهم والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ناظر، فالجدل علم عظيم لتنوير الحق وتنوير العقل.

لا بدّ أن تقرأ وتقرأ ما يُقال، وبضدّها تتميّز الأشياء. والحقّ لا يُعرف كماله إلّا بعرضه أمام الباطل. إذا أردت أن تعرف بياض البياض فقارنه بالسواد. ولذلك فبضدّها تتميّز الأشياء. الحقّ لا يُعرف بكماله الّذي يتجلّى فيه، الحقّ في أجلى صوره وأجملها لا يُعرف إلا بعرضه أمام الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت