أنا أعرف بعض العلماء هم من أعلم أهل بلدهم، ولكنّهم ماتوا ولم يعرفهم إلّا الخاصّة، بل هم يعرفون أنّهم علماء لكن لا يعرفون علومهم. يعرفون أنّهم علماء؛ لأنّهم اختبروهم في مسائل لكن أين علوم هؤلاء القوم؟ لا تجد. يعني في الأردن كان الشيخ أحمد السالك من أعلم أهل الأردن في الفقه. وكان كبار المشايخ الذين يُشار إليهم أنّهم من الفقهاء يرجعون إليه، ومع ذلك هذا الرجل مات ولم يترك إرثًا علميًا قطّ. والسبب هو نفسيّته، وهذا هو الذي نتكلّم عنه.
الأستاذ أبو الحسن الندوي يحسن التسويق لكتبه. ولمّا أراد نشر هذا الكتاب ذهب بنفسه إلى مصر، وعرضه في البداية كما ذكر في قصّة الكتاب على مؤسسة حكومية يقوم عليها الأستاذ أحمد أمين، ولكن حصل ما حصل كما قرأتم. لا نريد في هذه الجلسة أن نعيد ما قرأناه، نريد أن نحلّل ما قرأناه، وأن ندرس ما قرأناه، وأن نقرأ ما قرأناه. قلنا القراءة الّتي نقصد هي القراءة الواعية، أو كما سمّيناها في حلقة من حلقات شرح الموافقات: القراءة الجدلية. فأبو الحسن يتقنها.
ولذلك لم يكتف أبو الحسن الندويّ رحمه الله -الذي مات في آخر عشرية من القرن الماضي-، لم يكتف بأن نشر كتبه وقام بطباعتها ولكنّه قام برحلات. أبو الحسن الندوي قام برحلات عديدة إلى العالم الإسلامي. بل هناك رحلة استغرقت تقريبًا جميع بلاد المسلمين. بدأها من باكستان إلى إيران إلى العراق إلى الأردن إلى مصر إلى المغرب.
وفي كل بلد يلقي محاضرة بما رأى في هذا البلد، وماذا ينصح هذا البلد. مثلًا لإيران له كتيب صغير: (اسمعي مني يا إيران) . وذكر فيه شيئًا عجيبًا، أنه تجوّل في إيران فلم ير مدرسة قرآن واحدة. وعزا هذا لاعتقادهم في القرآن. ونصح أهلها لمّا عمل محاضرة أن يعودوا إلى القرآن.
ولمّا وصل إلى دمشق تعرف عليه أبناؤها. وهناك ألقى مجموعة من المحاضرات أنشأت سلسلة كتبه الرائعة وهي (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) . وتكلّم فيها عن هؤلاء الرجال كلامًا لا يشبهه أيّ كلام للمعاصرين. الآن سأبين خصائص هذا الرجل. نحن الّذي يهمّنا أن نعرف ما خصائص هذا الكاتب وكيفيّة دخول هذا الكاتب في خاصّية هذا العالم. فإذًا الأستاذ أبي الحسن الندويّ رجل رحّالة ومفكّر يقرأ بالإنجليزية، وهو من أئمة علماء التفسير في القارة الهندية. أبو الحسن الندويّ للذكر مرجع في القارة الهندية في علم التفسير وهذا هو تخصّصه. وإن كان عندنا لم يُعرف بهذه الخاصّية؛ لأنّنا لا نعرفه إلا من خلال كتبه، وهو لم يفرغ لكتابة تفسير. ولم يأت إلى البلاد العربية في دورة علمية ليعلّم بلدًا ما أو أهل بلد ما التفسير أو ما يعرف من العلوم.