القرآن هو الذي علَّم هذه الأمة علومها كلها، علمها كل العلوم، ما من علم في هذه الأمة إلا وهو إنتاج قرآني بأصله وبوصفه، ليس فقط في أصله أنه يقول لك: ابحث في كذا، بل يعطيك المنهج في قراءة هذا العلم، وفي كتابته وفي دراسته وفي التطلع إليه، وفي إنشائه وفي بنائه.
وبالتالي الاهتمام بالتاريخ هو صناعة هذه الأمة، وتكلمنا أن ميزة كتابة التاريخ في أمتنا أنهم لم يتدخلوا في كتابته، بل ينقلون كما يصل إليهم، وتركوا لك التحليل، قالوا: اذهب أنت حلّل وناقش، لكن هذا هو النص فحافظ عليه.
وبالتالي المذكرات شيء مهم جدًا، وحيث وجدت مذكرات فاقرأها، مهما بدت لك سخيفة. وأرجع لقضية قلتها سابقًا لأنها مهمة، وهي أن القراءة تصنع لك صورة العبودية؛ اللوحة العظيمة (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، وأنا لم أجد بعد الكتاب والسنة أعظم تشكيلًا لهذه اللوحة من قراءة التاريخ، ومن التاريخ قراءة المذكرات، وإياك أن تتردّد في قراءة أي مذكرات فكلها نافعة، والشيء إذا وصل لهذه الدرجة من الانتفاع تكثر خطورته، وخاصة بسبب البيئات المعينة يختار الكاتب ما يُرضي القارئ، ولا يستطيع كاتب الذكريات أن يكتب عنه كل شيء، وإنما هو يختار الصور وأحيانًا يكذب، ومن هنا فأنت لقراءة حقبة تاريخية ما لا بد أن تقرأ المذكرات جميعها حتى تتكون لك الصورة كاملة.
فهو يقدِّم لك جزءًا، ويأتي الآخر الخصم يقدم لك جزءًا آخر، وهذا يفوّت، وهذا يقول عن هذا، في النهاية أنت تستطيع أن تفهم الصورة كاملة وشاملة من خلال القراءة المتعددة، فلا تُسرَق، ولا تعظِّم من لا يستحق التعظيم، ولا يُكذب عليك في الروايات، وخاصة بالنسبة للزمن المتأخر وهو وجود الكذب الكثير في داخل مؤرخي زماننا، لأن المؤرخين في زماننا إنما هم أبناء الدرهم والدينار، والعمالة والكذب لمن يدفع لهم، الطواغيت يصنعون حولهم السحرة، ليُسوِّقوا لهم أنهم عظماء، تجد مثلًا حاكمًا يعجز عن قراءة صفحة واحدة وحين تقرأ ترجمته يُقال:"وقد تلقّى العلم على يد كبار العلماء"!، أي علم كانوا يُعطونه وهو لا يستطيع القراءة؟ هذا موجود، ولذلك عليك أن تقرأ المذكرات فحينئذ تستطيع أن تعرف الصورة كاملة، والحق أن الغربي حين يكتب مذكراته في هذا الزمن المعاصر يكتب بصدق أكثر مما يكتبه الشرقي؛ لأن الشرقي محكوم ببيئته ويريد أن يبرّء نفسه، وإن كانت هذه الخصلة موجودة كذلك في داخل الغرب، مثلًا لما كتب (ووليم كاسي) مذكراته -الذي ذكره (مارين شيز) - إنما كتبها لأنه كان متهمًا في قضية (Watergate) ، لما تجسس الحزب الجمهوري بقيادة (نيكسون) على خصومه الديمقراطيين، في فترة الولاية الثانية وكشفها الصحفي المشهور (بوب وورد) ، فأراد أن يقول أنه لا علاقة له، فكتب المذكرات، وفيها فوائد، وأنا أقول لكم هذا كتاب مهم.