فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 715

الأفكار بين المثقّف وبين ثقافته. وأكثر من دعا إلى تكوين المثقّف الملتزم هو اليسار. ومن هنا يوجد مثلًا إدورد سعيد له كتاب اسمه (المثقّف الملتزم) ؛ لأنّه كان يرى بأنّ التزام المثقّفين لأفكارهم هشٌ. واليسار رجيس دوبريه في كتابه (ثورة في الثورة) لمّح إلى القضية المثقّف الملتزم، المثقّف الّذي يلتزم لدرجة الفناء لأفكاره وأن يموت من أجلها. وهذا في عالم الأفكار الفصام موجود، ونحن نرى بأنّ المثقّفين المعاصرين ممن يدّعون المدافعة عن الشعوب، والوقوف أمام الظلم، والمعاندين للطواغيت، رأيناهم كيف انهاروا تمامًا أمام السلطة الحاكمة، كيف دخلوا في الحظيرة كما عبّر أحد وزراء الإعلام قال: أدخلتُ المثقّفين في الحظيرة. اشتراهم! المثقّفون دخلوا في الحظيرة، صاروا مجرّد أبواق.

الصحفيون أبواق للسلطة، الأدباء أبواق للسلطة، الشعراء أبواق للسلطة. هذا جليٌّ لا يستطيع أحد أن ينكره؛ لأنّه بيّنٌ وواضحٌ في حياة الناس؛ وذلك لقدرة السلطة على التغوّل، السلطة نفسها النظم في تاريخ البشرية عندها عقدة التغوّل، أن تصبح سرطانًا يلتهم كلّ من أمامه، ويأخذ كلّ من أمامه، ويدخل في جوفه الجميع. فيصبح هذا مجرّد سحرة فرعون، يصبح هذا المثقّف الأديب، الشاعر، الصحفي، المؤرّخ يكتب تاريخًا مزوّرًا موافقة للسلطة.

فهذا فصام في داخل الصفّ الإسلامي جاء القرآن بوصف بلعام بن باعوراء، في وصف هذا العالم الذي حُمّل {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَترُكْهُ يَلْهَثْ} ، فلم يلتزم.

هذه المقدّمة مهمّة جدًّا؛ لأنّنا سنتحدّث عن مثقّف: الأستاذ محمّد قطب مثقّف، وكان ملتزمًا؛ وبالتالي هذا الالتزام ترجمه إلى حالة من العمل، حالة من الفكر، حالة من المتابعة، وحالة من الإنتاج الغزير. أوّل شروط الالتزام هو عدم هجران المعركة؛ لأنّ هجران المفكّر لمعركته الفكرية كانسحاب المقاتل من أرض المعركة وهذا فرار من الزحف! يعني البعض يقول أنا اكتشفت الحقيقة والعالم لا يسمع أريد أن أنعزل، أجلس، وأترك الناس وما هم فيه. في الحقيقة هذه صورة الخذلان لحقيقة العلم الّذي يعلمه، سواء كان بالمفهوم الإسلامي: عدم التزام العالم بعلمه، أو بالمفهوم الثقافي: عدم التزام المثقّف بموقفه. الموقف صحيح.

فالأستاذ محمّد قطب يُعدّ صورةً حقيقية ونموذجية للمثقّف الملتزم.

فقط هنا نقطة أريد أن أنوّه عليها: وهي قضيّة الفصام بين المثقّف وبين الفقيه، أو بين المفكّر وبين الفقيه. أمثّل بكلمة للشيخ عليّ الطنطاوي، الشيخ علي الطنطاوي فقيه حنفي، وكان قاضيًا في محكمة شرعية. يعني الآن قليل من يعرف أنّ الشيخ علي الطنطاوي كان فقيهًا حنفيًا وكان قاضيًا شرعيًا، لكنّه دخل في المجال الأدبي، وكان يراسل مجلة"الرسالة"المشهورة للزيّات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت