المدارس الابتدائية وأعتبر أن مزاح رفيقه قد مس كرامته فأهوى على المجموعة فمزقها، وعلى القلم والمسطرة فحطمهما، وألقاهما في سلة المهملات ومضى يقول:
أجل كيف نقبل مثل هذه المنح الرخيصة، من يد المتعسفين الظالمين الذين أذلونا وشردونا وأخرجونا من ديارنا وأقاموا مقامنا حثالة من شذاذ الآفاق! إن هذا لن يكون. . . فبهت رفيقه، وندم على ما بدر منه، وأخذ يعتذر له ويطلب منه العفو والمغفرة، فلم يفد من اعتذاره ومؤانسته شيئًا. . بينما كان معلم الصف منهمكًا بكتابة الوظيفة الليلية على اللوح سمع حوارهما الرقيق بلسان الطفولة البريئة، ورأى أن هذه الحركة غير عادية في درسه، فترك اللوح وأقبل على الطفلين يستطلع خبرهما. ولما أدرك القضية وعرف سببها أوقفهما على انفراد في زاوية من زوايا الصف ريثما ينتهي من عمله فيجري معهما التحقيق اللازم ويعاقبهما بعده لإخلالهما في درسه. .
انتهى الدرس وخرج التلاميذ إلى الفسحة، فتقدم المعلم من التلميذين الموقوفين وبدأ بالتلميذ اللاجئ قائلًا:
-أيجوز لك (يا عامر) أن تتلف المجموعة وتحطم المسطرة والقلم وترمي بهما جميعًا في السلة، ثم ترفض النعمة التي أنت أحوج الناس إليها؟ إن عملك يا عامر لا يعمله تلميذ عاقل، في حين أن رفيقك لم يقل ما قاله إلا مداعبًا ومازحًا. . ومن عادة الأصدقاء الدعابة والتظرف والإيناس. . فرفع عامر إصبعه بأدب وطلب من أستاذه أن يسمح له بالكلام، فسمح فاستهل الصبي كلامه قائلًا: أنت يا سيدي بمقام والدي ومن حق الوالد على الولد أن يصغي إلى شكوى ولده بروية وهدوء. .
-فقال المعلم: أحسنت يا بني تكلم وأوجز. .
-سيدي إن من عادة رفيقي هذا الدعابة والمزاح فهو يمازحنا جميعًا، وما علمت أن أحدًا أزعجه مزاحه ودعابته، لكنني هذه المرة لا أدري كيف أثرت دعابته بي هذا التأثير الذي اعتبرته جارحًا للعاطفة مثيرًا للنفس في حين أنه كان صداه الدعابة ولحمته المزاح على الغالب. . .
وقد أثقل على ذلك وأنا ربيب نعمة وأليف خير ورخاء، ما تعودت تناول العطايا من أحد أو أن أسمع شيئًا مما قاله اليوم صديقي، وما فعلت ذلك في أدواتي إلا ترفعًا وإباء وندمًا