زفة أللنبي
قد يلفت هذا العنوان نظر القارئ الكريم، ويوقعه في شيء من الحيرة والارتباك، والعجب والدهشة، فمن هو (أللنبي) هذا؟! وما قيمة (زفته) هذي حتى يفرد لها حديث خاص في الرسالة الغراء؟! ولكن سرعان ما يزول هذا الشعور المزيج من الحيرة والعجب والدهشة والارتباك عندما يعمل أن (أللمبي) هو المعتمد البريطاني الذي انزل البلاء بالمصرين عامة أيام الحرب العالمية الأولى. وإن (زفته) هي عادة أصيلة في بور سعيد والإسماعيلية، يدين بها أهل هاتين المدينتين، ويحرصون عليها كل عام حرصا شديدا
والزائر لإحدى هاتين المدينتين ابتداء من منتصف شهر فبراير، يرى نشاطًا عجيبًا، ويلفت نظره تماثيل لم يكتمل خلقها بعد، معلقة على أبواب المنازل، أو فوق سطوح البيوت غير المرتفعة، في الأحياء الوطنية بخاصة، وفي الأحياء الأفرنجية كذلك حيث تسكن بعض الأسر المصرية. . تماثيل تكتمل خلقًا يومًا بعد يوم في نظام رتيب وعمل متصل بلا انقطاع. فوق كل بيت تمثال (خواجة) يبدأ جسمة أولًا غفلًا من التصوير، أي بدون رجلين ولا يدين ولا رأس، ولا تكاد تمضي أيام على تعليقه على الأبواب أو فوق سطوح الدور، حتى تصنع له الرأس، ثم تبدو اليدان، ثم الرجلان، ثم توضع القبعة فوق الرأس، ثم توضع في فمه الكبير (بببة) يمسكها بيده كأنما يدخن في نهم وشره، وصفاقة وبرود. . وكلما مر يوم ازداد هذا الخواجة أناقة ووضحت تقاطيع وجهه، وظهر فيه البرود السكسوني المقيت بأجلى صوره، وأوضح معانيه، وبعد مدة يصل الفن المصري (البلدي) إلى رجليه، فيلبسهما حذاء لامعًا، وقد سك في يده مذبة (منشة) وقد يكون واقفا مستندا إلى خشبة خلفه أو بجانبه لئلا يسقط هنا أو هناك، وقد يكون جالسا على كرسي يصنع خصيصًا لهذا الغرض، بحيث يضع رجلًا على رجل، فينبعج كرشه، ويصبح مثال الصلف الوقح، والبرود الحقير. .
وتكون هذه التماثيل في الغالب في حجم الإنسان الطبيعي الذي يميل إلى النحافة قليلًا، حتى إذا جاء يوم شم النسيم تكون هذه التماثيل قد اكتملت خلقًا وزينة، وظهرت معالمها، وبرزت خصائصها، لأن هناك مجالا واسعًا للتفاخر والتباهي بين الأهلين، فمن كان تمثاله أكبر