يقنعون بما يملى عليهم من خارج نفوسهم)!
لقد كنت أنتظر منك يا صديقي - وأنت الأستاذ الجامعي - أن تناقشني نقاشًا (موضوعيًا) حتى يستقيم لك منطق النتائج في ضوء المقدمات. . كنت أنتظر منك مثلًا أن تقول لي: تعال يا أخي، لقد كتبت عن مشكلة الفن والقيود، وعن مشكلة الفن والحياة، وعن مشكلة الأداء النفسي في الشعر، وعن نشأة العقيدة الإلهية، وعن موقف العرب من التراجيديا الإغريقية، وعن الفن الإنساني، وعن أدب الاعترافات، وعن العبقرية والحرمان، وعن انحراف المواهب، وعن الواقعية في القصة؛ وعن أدب التراجم الذاتية، وعن برناردشو، ولورد بايرون، ولن بوتانج، وبلزاك، ودستويفسكي، ومرجريت ميتشل، وبيكاسو، وأبي العلاء، وتوفيق الحكيم، وعلي محمود طه، والمازني، وغير ذلك من المشكلات الفنية والشخصيات الأدبية. . فأين هو الجديد الذي أتيت به، وأين هو الخلق الذي انتهيت إليه، وأين هو خط الاتجاه الفكري الذي قلت لنا عنه إنه ينبذ الترديد والتقليد؟!
لقد كنت أنتظر منك أن تلقاني بمثل هذا التكذيب، وأن تواجهني بالدليل بعد الدليل، على أنني كنت في هذا كله ببغاء تردد؛ أو بوقًا ينقل، أو فكرًا يعتمد في تحليقاته على أقوال الآخرين. . لم تستطع أن تقدم على مثل هذا الأمر الذي يخرج عن حدود طاقتك الفكرية والجدلية، وإنما استطعت أن تضرب الأرض بقدميك، وأن تلوح في الهواء بيديك، وأن تملأ صفحات (الثقافة) صراخًا لتقول لي: (اسمح لي يا صديقي أن أكذبك فيما تزعمه لنفسك من خلق ينبذ الترديد والتقليد؛ لأنني استعرضت فصول الكتاب بعد أن زال عني سحر أسلوبها، لأجدها - في أغلبها - تعليقًا على رجل أو كتاب، وهذا هو ما أسميه بفتات الموائد التي قنعنا بها قناعة الأذلاء) !
عيبك يا صديقي زكي، عيبك الخطير، هو أنك لا تؤمن بنفسك. . والرجل الذي لا يؤمن بنفسه لا يستطيع أن يؤمن بغيره، لأنه يضع منظاره (العاجز) على عينيه، ثم ينظر من وراء ضبابه إلى الآخرين، ثم لا يراهم إلا صورًا مكررة من شخصيته. . ولهذا، تشعر دائمًا أنك عبد وأن كل من تراهم عبيد، وأنك ذليل وأن كل من تعرفهم أذلاء؛ ثم تثور عليهم جميعًا وتثور على نفسك، ثم تبدأ عملية التحطيم التي حدثتك عنها في طفولتي الثائرة! صدقني أنني مشفق عليك من هذه الثورة العاجزة التي ينقصها الإيمان بالنفس في