حقيقيون يعيشون للواقع، ولهذا كان يجل العالم الألماني الشهير (نيتشه) وكذلك الكاتب الروسي اللامع (دستوفسكي) حيث كان يعتقد فيهما أنهما من الأحرار الذين لا يقيدهم خوف أو شفقة أو حياء!!
لقد قلنا إن (جيد) كان شاذًا قلق الفكر لايستقر على مبدأ حتى يخرج إلى مبدأ آخر والدليل على ذلك. . أنه رفع البلشفية بوصفه لها بمقالات عدة نشرها على العالم، إلى طبقة الحرية المثالية أو النظام الأكمل. . .
ولكنه لما دعي لزيارة روسيا وعاد منها بعد زيارته لها ذمها ذمًا شديدًا وقذفها قذفًا قد يصل إلى أشنع الهجاء، وهذا يدل على عدم الاستقرار الفكري الذي تحدثنا عنه!
ثم هذا دليل آخر على قلق المبادئ عنده؛ وهو أنه مال إلى الرمزيين في إبان شبابه وبدأ يدعو الناس إلى اعتناق مبادئهم، ولكنه ما بين عشية وضحاها تركهم نهائيًا لأنه رأى أن عنصر التشاؤم يتغلغل في نفوسهم ويكون عندهم حجابًا حالك الظلام يفصل بين أرواحهم وبين الأمل المنشود
كان جيد يكره التشاؤم ويعتقد فيه الضعف، وأن الشخص الذي يتشاءم من الحياة إنما هو إنسان ضعيف الإحساس حائر الفكر، لأنه يرى في التشاؤم محاربة للواقع واحتقارًا للحياة!
وكان يكره الرمزيين - أخيرًا - لأنه وجد فيهم عدم توصلهم إلى مذهب ثابت حقيقي، أو عدم تملكهم الفكرة أو المبدأ الفلسفي الصحيح!
نعم قد يكون له هذا الحق لو كان ثابتًا على مبدئه. . ولكنه راح يناقض نفسه للمرة الثالثة حيث برز هذا التناقض في صورة حبه وتقديسه لمبدأ - شوبنهور - ولشخصه، بينما نحن نعرف أن شوبنهور كان أولئك المتشائمين في الحياة! إذن لماذا كان يقدسه (جيد) ؟!
وكذلك نرى أنه كان يكره - هيجل - لأنه كان الشخص المفضل من قبل أصحاب المذهب الرمزي، وجلهم من الشعراء!
وقد تثبت هذه النظرة على (جيد) أكثر تركيزًا في ناحية بغضه للرمزيين وكتابته في الأدب الرمزي ونظمه في الشعر الرمزي. . .
وكذلك نحن نعرف أن - جيد - كان واقعيًا بينما نجده في نفس الوقت يكتب في الفلسفة الخيالية. . إذن ما هو سر هذا التناقض؟