حوادث (كاب بون) الأخيرة، واضطهاد مرير يعانيه المراكشيون، اضطهاد ومذلة تشهد بها مواخير منطقة (القصبة) في الدار البيضاء، حيث يعمرها بنات السادة والأشراف اللاتي شردهن الفرنسيون من جبال الأطلس والمدن المراكشية بعد ثورة الريف والثورات العديدة التي أتت في أعقابها ولا تزال.
ويحب كاتب هذه السطور أن يروي على سبيل المثال حادثة واحدة تشهد على (فضائل) الحضارة الغربية التي تنوي فرنسا أن تجعل أفريقيا العربية حصنًا منيعًا لها. فقد زرت مدريد منذ بضعة أشهر، وأثار تطفلي أحد خدم فندق (ريتز) الذي كنت أقيم فيه؛ فقد كان شيخًا وقورًا محني الظهر، في عينيه مذلة وانكسار تبعث في النفس الحنان له والرغبة في مؤاساته. ولم يكن يعرف أنني عربي، ولم أكن أعلم أنه من سادة قبيلة جليلة القدر في جبال الأطلس المراكشية. ولما تم تعارفنا وأنفقنا الساعات يسرد على فيها مأساته السياسية، وقسوة المنفى والتشرد على كرامته وشيخوخته، لمحت أنه يخفي سرًا لم أستطع استدراجه إلى الحديث عنه في جلستنا الأولى، فقد كانت كرامة الرجل وطيب محتده أعظم وأرفع من أن يعترف بسره الدامي إلى صديق عابر.
سر وأي سر! سيد في قومه يوثق بالقيود، ويشاهد الضباط الفرنسيين يفتكون بعرض بنته الصغرى، ويتناولونها الواحد بعد الأخر، ثم يرمونها كما لو كانت قطعة من العظم إلى الجنود السنغاليين، الذين كانوا يفتكون بامرأته في حظيرة الدار. وقد وجد الرجل في (مدريد) مصدرًا للعيش، ولكنه عيش ذليل، يزداد مذلة كلما تذكر الرجل أن ابنته الآن عاهر في ماخور ملحق بمعسكر فرنسي في الساحل المراكشي. ولولا أن الانتحار محرم على المسلمين لما فضل هذا السيد الوقور الحياة يومًا واحدًا.
ومع ذلك فدعوة فرنسا إلى جعل أفريقيا الشمالية حصنًا منيعًا للحضارة الغربية تجد - مع الأسف المرير - في أوربا وأمريكا بعض الآذان الصاغية.
ٍوعلى قدر هذه الشناعة الفرنسية يتأجج حماس المغاربة العرب في تحقيق السيادة القومية والتخلص من الاستعمار الفرنسي. ولذلك فإن كل ما يعترض هذه الحركات الوطنية في تونس ومراكش والجزائر من عقبات ومصاعب، لن تقوى على جعلهم حصنًا للحضارة الغربية، فالمسألة ليست مقصورة على كف أعزل يلاطم حربة حادة الرأس، فجوهر