هي الفضيلة، ويدري ما هو الشرف؟
وهل توجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتورًا من جسم الأمة، فلا يشعر بشعورها، ولا يألم لألمها، ولا يحس أنه منها، ولا يشاركها في شئ من عواطفها، في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكرًا، وأوسعهم اطلاعًا، وأشدهم شعورًا (بالواجب العام) ؟
أو هل يأخذ الموظفون رواتبهم من صندوق الأمة، ثم ليناموا آمنين إذا هي خافت، ويضحكون فرحين إذا هي تألمت، وينعموا فارهين إذا هي شقيت، ويأكلوا مسرفين إذا هي جاعت؟
كلا! كلا يا سيدي، فالموظف من الأمة وإلى الأمة، وليس في البلد شعب وموظفون، ولكنّ فيه شعبًا واحدًا، يشعر بشعور واحد، ويصدر عن مبدأ واحد ويسعى إلى غاية واحدة، ولأن تعرف أنت هذه الحقيقة فتعمل بها، أولى من أن أنزل أنا على رأيك، وأخضع لإرادتك، فيما يؤذي الحقيقة وينافيها
كلا! لقد انقضى ذلك العهد كان الموظف فيه مسؤولا أمام رئيسه، وأصبحنا اليوم وكلنا مسئولون أمام الأمة والتاريخ؛ وليس هذا الراتب منحة منك حتى تمنّ به عليّ، ولكن راتبك أنت منحة من الأمة - التي أنا من أبنائها تمن هي بي - عليك!
وبعد؛ أفليس مما يجب على قادة الفكر، وأرباب الأقلام، أن يعرّفوا الناس حقيقة الوظيفة والموظفين، وحق الأمة عليهم، وأمل الأمة فيهم؟ أوليس يجب عليهم معالجة هذه النواحي من أخلاقنا، وبسط الكلام فيها، وتحذير السالمين منها، ومداواة المصابين بها؟. . .
علي الطنطاوي