وهو يؤمن بسابق وجود الإنسان وأزليته أي أن الإنسان كان أصلًا في السماء فهجرتها روحه وظهرت في جسد بشري على الأرض. فالإنسان في عهد الطفولة يكون بحكم الطبع قريبًا جدًا من الزمن الذي قضته روحه في السماء، لهذا يفضل عهد الطفولة عهدي الكهولة والشيخوخة. إلا أنه يحسن بنا أن نرفق بالشاعر فلا نجري عليه الأحكام الجارفة في كل ما نعزوه إليه من العقائد. فهو - كما بينا سابقًا - لم يكن متعصبًا لرأي أو لعقيدة واحدة منظمة شأن كبار الفلاسفة أو اللاهوتيين وإنما كان شاعرًا يكتب عن عاطفة شديدة، فهو لا يستقر على رأي من الآراء ما دامت العاطفة لا العقل هي الدافع والمحرك له في أغلب منظوماته
الخيال الرائع
يمتاز وردزورث بإلباسه الأشياء الطبيعية المألوفة كساء من الخيال الراقي، وعنده أنه كلما ازداد الشاعر توسعًا وانطلاقًا في عالم الخيال ازداد لذة واستمتاعًا في الحياة. ويختلف عن كولردج باتخاذه عاديات الأشياء ومألوفها مواضيع تصويره وخياله متوخيًا أن يبتدع مما هو عاديٌّ ومألوف شيئًا جديدًا مبتكرًا. فبينا كولردج يتدرج من عالم الروح والخيال إلى عالم المادة والحقيقة ترى وردزورث يشرع من عالم المادة وينتهي عند التصاوير الشائقة والأخيلة الرائعة
غموض معانيه
وهذه الميزة لا تلازم معظم أشعاره وإنما تصدق على البعض منها. وغموضه ناجم عن عجزه في بعض الأحيان عن التميز بين ما هو عادي مألوف وما يظنه غريبًا نادرًا؛ هذا عدا جنوحه إلى إلباس الأشياء العادية حلة من رائع الخيال مما يوقع القارئ في ارتباك شديد يجعله غير قادر على إدراك المعنى الصحيح وتفهم ما يتوخى الشاعر إفهامه
وعدا هذا يمتاز وردزورث بوصفه الحيوانات والطيور الأهلية منها والبرية. ويؤخذ عليه ندور ورود النكتة في أشعاره، وأن أشعاره لا تلهب الحماسة في نفس القارئ
ولكي يتم لنا البحث في أشعاره لا بد لنا من أن نقول كلمة في قصيدتين كبيرتين من قصائده ألا وهما الفاتحة والنزهة أما (الفاتحة) فهي ترجمة وافية لحياة وردزورث الشعرية، ففيها يبحث عن تطور نفسه الشعري ونمو سليقته منذ عهد الطفولة. في هذه