الرصيف دون أن يبدو عليه أي أرتباك، ثم مسك الكوب بكلتا يديه وحطمها كاملًا بين أسنانه كإنسان عضه الجوع. وكان بالقرب منه فتاة أمريكية من اعظم الموجودات رشاقة فصرخت حين رأته يفعل ذلك وأصفر لونها مرة واحدة. أما جارتها ملكها الفزع وضعت منديلها سريعًا على فمها. ووقف عدد من الزبائن ودفعوا كراسيهم إلى الوراء وجروَا بأقصى سرعة. أما أفراد الأوركسترا أنفسهم فقد تحولت أنظارهم عن النوت إلى أمامهم وطاشت أنغام كل منهم
وفي أثناء كل ذلك الوقت كان الرجل يسحق قطع الزجاج بصوت مرتفع دون أن يتحرك من مكانه متابعًا بعينيه بكل هدوء عصبية المتفرجين المتزايدة، وكان صوت مضغ الزجاج - ذلك الأمر العجيب النادر - هو وحده الذي يزعج ذلك السكون الشامل. ثم أحنى الرجل رأسه كأنه يتحدث سرًا مع أحد من الناس وتأرجح على ركبتيه ثم أتجه إلى مناضد أكثر بعدًا وهز من جديد كوبه ونظر بهدوء شديد إلى الوجوه الخائفة وحطم قطعة أخرى بين أسنانه. وهرب هذه المرة أيضًا عدد من الجالسين بينما طلب عدد آخر - وقد أثارهم ذلك المنظر الغريب - من خدم المقهى أن يطردوا ذلك الرجل. على أن الخدم اكتفوا بهز أكتافهم، فقد كانوا على جانب من التعب الشديد غير قادرين حتى على جمع الحساب الذي لهم عند الزبائن. كما أن الفزع كان قد أخذ منهم كل مأخذ. ومن الحق القول أيضًا بأنهم كانوا لا يودون مطلقًا أن يتشاجروا مع (آكل الزجاج) وطلب رجل فرنسي - كان قد أصبح وجهه رمادي اللون من هول الرعب - مدير المحل كيما يوجه إليه اللوم الشديد. ووعد مدير المحل بأن يقدم مساعدته وتقدم خطوات نحو حمال البواخر، لكن شجاعته خانته حالًا فتقهقر. ذلك لأن المشعوذ لم ينقطع عن التردد بين طرفي المقهى وهو يمضغ على مهل بقايا كوبه الجعة، وبعد أن ازدرد جزءًا منها لفظ البقية على الأرض.
وبدا على جانب شفتيه مجرى رفيع من الدم انساب حتى ذقنه دون أن يشعر هو نفسه بذلك إذ كان منشغلًا تمامًا بمضغ غذائه الوحيد.
ومر بالمكان مصادفة أحد رجال البوليس قادمًا من رصيف و. ولسن وكان يرتدي (بدلة) زرقاء بأشرطة بيضاء، فعندما رأى ذلك المنظر الغريب انسل بهدوء إلى شارع الناقوس، واختفى دون أن يصرخ آمرًا بعودة النظام.