نزق هذه (القوة النباتية) المتقلبة الهوجاء تلك القوة التي إن هي شاءت أخرجت من الشيء ضفدعة، وإن هي شاءت أخرجت منه كلبًا؛ أو هي تخرج منه اليوم فيلًا، وغدًا عنكبوتًا؛ أو تخرج منه في الصباح حوتًا سابحًا، وفي الظهر بقرة حلوبًا، وفي المساء إنسانًا ناطقًا
قضى على نيدم، وقضى على قوته النباتية، وأصبح الإنسان يستمرئ العيش، ويستنشق الهواء في أمان وسلام، فلا تروعه تلك القوة الرهيبة اللعينة التي كان يتخيلها مخبوءة في هذا الركن ووراء ذلك الحائط تنتهز الفرصة لتحيله فيلًا أو تخلق منه غولًا وسرى اسماسبلنزانى في جامعات أوروبا يسطع كالماس، ويتألق كالنجم. وأيقنت جماعاتها العلمية بأنه عالم العصر الأوحد وكتبإليه فريدريك الأكبر طويلة، وبيمينه أمضى براءه تعيينه عضوًا في أكاديمية برلين. وماريا تريزا النمسا وعدوة فريدريك اللدودة، نافست هذا الملك العظيم في تكريم هذا العالم الكبير، فنفسته، وذلك أنها عرضت عليه أن يكون أستاذًا في جامعة بافيا العتيقة بلمباردي إليه رسلها من عظام مستشاريها فجاءوه في حفل ضخم، وموكب فخم، مثقلين بكتب ملكية، وأختام امبراطورية، يتوسلون إليه في قبول المنصب عسى أن تجد جامعتهم فيه منقذها من السوء الذي هي فيه، ورافعها من الدرك الذي هبطت إليه. وجرت بينه وبينهم مناقشات، وجرت مباحثات ومساومات، في الأجر الذي يتقاضاه اسبلنزانى، فقد كان دائمًا يحسن جمع المال كلما أمكنته الفرصة. وانتهت تلك الأحاديث بقبوله أستاذية التاريخ الطبيعي بالجامعة، وبتنصيبه أمينًا لمتحف التاريخ الطبيعي في بافيا كذلك وذهب إلى متحف بافيا فوجده خاويًا خاليًا. فشمر عن ساعده، وأخذ يحاضر في كل ما هب ودب، ويلقى دروسًا في الجمهور يضمنها تجارب كبيرة هائلة يجريها على سمعهم وأبصارهم فهالت الناس وراعتهم، لأن النجاح كان يأتيها دائمًا من حذق يديه، وأراد أن يملأ متحفه الخالي فأرسل إلى هنا وإلى هناك في طلب مجموعات من حيوانات عجيبة ونباتات غريبة وطيور لا يعرفها القوم. وذهب هو بنفسه إلى الجبال فتسلقها على خطورة مرتقاها، ورجع منها بركائز كثيرة وخامات غالية. وذهب إلى البحار يصطاد قروشها المفترسة، وإلى الغاب يقتنص من ذوات الريش كل ذات لون بهيج. ذهب كل مذهب ليس من اليسير تحقيقه، وضرب كل مضرب ليس من الهين تصديقه، وكل هذا في سبيل الجمع لمتحفه، وفي سبيل التخفف من ذلك النشاط الجم وتلك الطاقة الصخابة التي امتلأ بها جلده