فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال الإمام القرطبي - رحمه الله: وصف نفسه تعالى بعد (رب العالمين) بأنه (الرحمن الرحيم) ؛ لأنه لما كان في اتصافه بـ (رب العالمين) ترهيب، قرنه بـ (الرحمن الرحيم) لما تضمنه من الترغيب، لِيجمع في صفاته بين الرهبة منه والترغيب إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تعالى:"نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم"وقال:"غافرِ الذنب وقابلِ التوب شديدِ العقاب ذي الطول".
نختم الحديث عن"الرحمن الرحيم"بالتنبيه على أعظم ما دلت عليه وبيان المقصد الأول لها على أي شيء؟ دلت على إثبات صفة الرحمة لله تعالى، هذه الصفة العظيمة يجب أن نؤمن بها على الحقيقة ومن غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تحريف أو تعطيل عن معناها الحقيقي، وهذه قاعدة جليلة تجري على جميع آيات الصفات.
من الخطأ الكبير أن نُنكر هذه الصفة أو نفهمها كما نفهم الصفات التي يتصف بها المخلوقون، فبذلك نحدث بالتشبيه بين الخالق والمخلوق، هذا التشبيه لا يُقره عقل ولا دين.
ولهذا التشبيه تجد بعض الناس يعترض على أقدار الله، ويستنكر بعض أفعاله سبحانه، ويظن أنها خالية من الرحمة.
بعض الناس إن قُلتَ له: إن فلانًا قدر الله له بكذا من مرض أو حادث، تجده يبادرك بالكلام: فلان والله مسكين، فلان والله ما يستاهل ما أصابه.
وبعض الناس يتساءل مُنكرًا على الله تعالى - عياذًا بالله - لماذا لم يحصل كذا وكذا؟ لماذا لا يُعطي الله المسلمين كما يعطي الكافرين؟
وهذا كله والله من الشيطان، وكله من الجهل، وأساسه تشبيه صفة الخالق بالمخلوق، ورحمة الله برحمة البشر، وسببه عدم التسليم له سبحانه.
اللهم ارحمنا برحمتك، وجنبنا الزلل وألهمنا الرشد ووفقنا إلى كل خير.
الحلقة الثامنة:
حديثنا في هذه الحلقة عن قول الحق سبحانه وتعالى:"مالك يوم الدين".
هذه الآية الكريمة تتكون من ثلاث كلمات:"مالكْ"و"يومْ"و"الدينْ". والتفسير لألفاظ القرآن والكشف عن معانيها، لابد فيه من النظر إلى ثلاثة أمور: إلى اللفظ بمفرده، وإلى اللفظ مُركبًا مع غيره، وإلى الجملة كاملة، والأمر الثالث: أن ننظر إلى ارتباط الآية أو الجملة بما قبلها و بما بعدها، وأن نتأمل في الدلالات المحيطة باللّفظ، والإشارات التي تُفهم من السياق.
ولنبدأ بذكر معاني الآية كلمة كلمة:
"مالك"فيها قراءتان سبعيتان، قراءة عاصم والكسائي"مالك"بالألف، اسم فاعل من المِلك، كقوله سبحانه:"مالِك المُلك" [آل عمران:26] . وقرأ الباقون السبعة"مَلِكْ"، كقوله سبحانه:"المَلِكُ القدوسُ" [الحشر:23] . و"مالك"مأخوذة من المِلْك، ومَلِك مأخوذة من المُلك، والمالك هو المتصرف بالأعيان المملوكة كيف شاء وبما شاء، والمَلِك هو الذي يأمر وينهى فيُطاع.
وقد طوّل أهل التفسير الكلام على ترجيح أحد القراءتين، وأشهر ما قيل:
إن المَلِك أبلغ في الدلالة على الملكية؛ لأن أمره نافذ على المالك في ملكه.
وقيل: لفظ (المالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكٌ للناس وغيرهم، والمَلِك لا يكون إلا على الناس، فلا يُقال: ملكٌ على البهائم وعلى الحجارة!
ومن أوجه الترجيح اللطيفة أن (مالك) أكثر حروفًا من (مَلِك) والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، وأيضًا قيل: أنها تدل على الزيادة في الأجر فإن لقارئ: (مالك) عشر حسنات زيادة على مَن قرأ (ملك) .
فإن قيل: هل يصح الترجيح بين القراءات، وكلها كلام الله؟
فالجواب: أن الترجيح إن كان على وجه التنقيص من القراءة الأخرى، فهذا لاشك حرام، ولا يستحله مسلم عالم ذاكر لما يقول.
وأما إن قُصد المُقارنة بين لفظ (مالك) و (ملك) ، وأن نُبيّن ما يتضمنه كل منهما من مزية، فهذا لا بأس به.
فإن قيل: ما الفائدة من وجود القراءتين، من جهة اللفظ والبلاغة؟
فالجواب: إن القراءتين للكلمة القرآنية بمثابة الآيتين، وهذه قاعدة ولعله من كمال بلاغة القرآن أن يجيء في الموضع الواحد بالكلمتين، فتُقرأ هذه مرة وهذه مرة، وبذلك تكتمل الدلالة على ملكية الله تعالى لذلك اليوم العظيم. قال الإمام القرطبي - رحمه الله -: إن وُصِفَ الله سبحانه بأنه (مَلِك) كان ذلك من صفات ذاته، وإن وُصِفَ بأنه (مالك) كان ذلك من صفات فعله.
(يُتْبَعُ)